يخوّف الله عباده مما حل بالأمم السابقة من الهلاك والتدمير بسبب فسقهم وعتوهم عن أمر ربهم واتباعهم سبيل الشيطان - فقال سبحانه: {وكأيّن من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} عتت، يعني عصت أمر الله - من العتو وهو الاستكبار - والعاتي المجاوز للحد - أو هو المغالي في ركوب المعاصي 11 - والمعنى: وكم من أهل قرية عصوا أمر الله ورسله وأعرضوا عن دين ربهم، دين الحق والعدل والفضيلة {فحاسبناها حسابا شديدا} أي لم نعف عنهم ولم نرحمهم في حسابنا لهم، بل جازيناهم بالعذاب الشديد في الدنيا {وعذبناها عذابا نّكرا} أي عذبنا هؤلاء الفاسقين عن أمر الله عذابا منكرا في الآخرة.
قوله: {فذاقت وبال أمرها} يعني ذاقت بسبب ما قدمت من الكفر والمعاصي وبال أمرها - أي وخيم العاقبة من سوء العذاب.
قوله: {وكان عاقبة أمرها خسرا} يعني كان عاقبتها الهلاك في الدنيا وعذاب النار في الآخرة.
قوله: {أعد الله لهم عذابا شديدا} وذلك تأكيد من الله على أن عذاب الظالمين العصاة أليم شديد.
قوله: {فاتقوا الله ياأولي الألباب} يخاطب الله أولي العقول الراجحة النيّرة فهم خليق بهم أن يوقنوا ويبادروا التصديق والطاعة بما أوتوه من نعمة العقل المستنير - وبذلك يأمر الله عباده من أولي العقول والنّهى أن يخشوه ويطيعوه ويجتنبوا معاصيه.
قوله: {الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا} الذين بدل من أولي الألباب - أو نعت لهم - يعني يا أولي الألباب الذين آمنتم بالله، اتقوا الله الذي أنزل إليكم القرآن - أي خافوه وأطيعوا أمره واجتنبوا معاصيه.
11 - (رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا)
قوله: {رسولا يتلوا عليكم آيات مبيّنات} رسولا، منصوب من عدة وجوه - فقد قيل: منصوب بفعل مقدر، وتقديره: وأرسل رسولا - وقيل: بدل، من {نكرا} ويكون رسولا بمعنى رسالة، وهو بدل الشيء من الشيء - وقيل: منصوب على الإغراء - أي اتبعوا رسولا - وقيل: منصوب بتقدير، أعني 12 أي أعني رسولا يتلوا عليكم آيات من الله ظاهرات لمن تدبرها وتفكر فيها.
قوله: {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} يعني أرسل الله رسوله للناس ليخرج به أهل الإيمان والتصديق والطاعة من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان واليقين والاستقامة.
قوله: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} ذلك وعد من الله لعباده المؤمنين الطائعين الذين لا يعصون الله ويفعلون ما أمرهم به، بأن يجزيهم خير الجزاء وهي جنات النعيم تجري خلالها ومن تحت أشجارها الأنهار السائحة العذبة، وهم ماكثون فيها مقيمون لا يبرحون {قد أحسن الله له رزقا} أي وسّع الله لهم في الجنات ما أعطاهم من أصناق المطاعم والمشارب وغير ذلك من وجوه الخير والنعمة 13.