والآية عامة في سائر المجالس التي يجتمع فيها المسلمون للخير والبر والصلاح سواء جلسوا للذكر أو العلم أو الحرب - فكل مسلم هو أحق بمكانه الذي سبق إليه، وفي الحديث:"من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به"ومع ذلك فإن على المسلم أن يفسح لأخيه في المجلس وهو أن يوسع له، ليمكنه الجلوس فيه من أجل الاستفادة وكسب الأجر، وفي النهي عن أن يقام المرء من مجلسه ليجلس فيه آخر، روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ليجلس فيه آخر، ولكن تفسحوا وتوسعوا"وعلى هذا إذا قعد الرجل في موضع من المسجد فليس لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه، وفي ذلك روى مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول:"افسحوا"."
قوله: {يفسح الله لكم} أن يوسع الله منازلكم في الجنة، أو في قبوركم، أو يوسع الله عليكم في الدنيا والآخرة.
قوله: {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} انشزوا، من النشز وهو المكان المرتفع من الأرض - ونشز الرجل، أي ارتفع في المكان، وإنشاز عظام الميت رفعها إلى مواضعها وتركيب بعضها على بعض، ونشزت المرأة، أي استعصت على بعلها وأبغضته 15.
والمعنى: إذا دعيتم إلى خير أو معروف أو إصلاح فأجيبوا، أو إذا قيل لكم: انهضوا إلى الصلاة أو إلى قتال العدو، أو قيل لكم: تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوموا.
قوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتو العلم درجات} وذلك تكريم من الله للعلم وأهله، فهم أولو درجات عالية في الآخرة ولهم من الله في الدنيا حسن الثواب.
وإنما يكون التكريم والاعتبار للناس بحسب ما في قلوبهم من الإيمان والعقيدة والتقوى، وبما أوتوه من رصيد العلم في مختلف علوم الإسلام، وغير ذلك من العلوم الكونية التي لا مناص للمسلمين من تعلمها والاستفادة منها لتقووا بها على رد العدوان من المعتدين، ودفع الشر والكيد عن أنفسهم من الظالمين المتربصين.
ويستفاد من الآية أيضا أن المؤمن العالم خير من المؤمن غير العالم، وإن كان في كل منهما خير - وبذلك فإن العالم لذو شأن عظيم في ميزان الله، وكذلك العلماء المؤمنون فإنهم أولو كرامة ظاهرة ومميزة يفوقون بها غيرهم درجات، وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم:"فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب"وعنه صلى الله عليه وسلم:"يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء".
قوله: {والله بما تعملون خبير} الله خبير بأهل الإيمان والعلم والطاعة الذين يخشون ربهم ويخافون عقابه ويبتغون بعلمهم وجه ربهم 16.
قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم 12 أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون} .