وفي قول ثالث: الباغي والعادي يشملان كل قاطع للسبيل أو مفارق للجماعة خارج على الإمام أو من كان خارجا من بيته في معصية فألمت به الحاجة - ومثل هؤلاء لا يستحق الرخصة في الأكل من الطعام المحظور حتى وإن كان مضطرا؛ وذلك لبغيه وعدوانه - ذلك ما ذهب إليه أكثر الفقهاء خلافا للإمام أبي حنيفة؛ إذ جعل لكم من هؤلاء رخصة الأكل من المحرمات حال الاضطرار استنادا إلى إطلاق النص الكريم - وهو أحد قولين للإمام الشافعي - وذلك الذي نرجحه ونميل إليه اعتمادا على الآية في إطلاقها هنا، ويقول سبحانه في آية أخرى: (ولا تقتلوا أنفسكم) فإن الإمساك عن أكل الحرام عند الضرورة ربما أوقع في الهلاك أو إذهاب النفس، وذلك أشد حرمة ونٌكرا من أكل الطعام الحرام.
وقوله: (إن الله غفور رحيم) يغفر الله للمضطر خطيئته ويتجاوز له عن السيئة في الأكل من مال غيره بغير إذنه - وهو تبارك وتعالى (رحيم) إذ أباح للمضطر أن يأكل من مال غيره دون إذنه حفاظا على نفسه من الزهوق 165.
أما استعمال المحرمات للتداوي، كشرب الخمر ونحوه مما حرمه الشرع، فذلك موضع خلاف، فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى عدم جواز التداوي بما حرم الله كالخمر وغيره مما يحرم أكله أو شربه - وهو قول المالكية والحنابلة وكذا الشافعية - فقد منع بعضهم التداوي بكل محرم إلا بأبوال الإبل خاصة لحديث العرنيين - ومنع بعضهم التداوي بكل محرم؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام:"إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم"166 ولقوله عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال عليه السلام:"إنه ليس بدواء ولكنه داء"167 - وهذا يحتمل أن يقيد بحالة الاضطرار، فإنه يجوز التداوي بالسم ولا يجوز شربه.
وقال الإمام أبو حنيفة: يجوز شرب الخمر للتداوي دون العطش - وهو قول الثوري - ودليل ذلك إباحة النبي (ص) لعبد الرحمن بن عوف أن يلبس الحرير لحكة أصابته 168.
أما مقدار ما يؤكل من المحرم كالميتة ونحوها: فإن المباح من ذلك ما فيه سد الرمق والأمن من الموت، فلا يبلغ بذلك حد الشبع وهو قول الحنفية، والحنابلة وأحد القولين للشافعي - ووجه ذلك أن الآية دلت على تحريم الميتة واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل فوق ما يسد الرمق؛ لأنه بعد سد الرمق لا يكون مضطرا.
وذهبت المالكية إلى جواز الأكل من الميتة ونحوها من المحرمات حتى الشبع وهو أحد قولي الشافعي - ودليل ذلك ما رواه أبو داود عن جابر بن سمرة أن رجلا نفقت 169 عنده ناقة ولم يكن عنده ما يقتات غيرها، فسأله النبي (ص) :"هل عندك غنى يغنيك"قال: لا - قال:"فكلوها"ولم يفرق بين الشبع وما دونه - وما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه 170.
قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) .