قوله: (ما أهل به لغير الله) الواو تفيد العطف - ما اسم موصول في محل رفع معطوف على الميتة - (أهل) فعل ماض مبني للمجهول - وهو من الإهلال، ومعناه رفع الصوت - نقول: استهل الصبي أي صاح عند ولادته - وقد كان من عادة العرب الصياح باسم المقصود بالذبيحة 162.
وقد ذكر عن ابن عباس وغيره من أهل العلم أن المراد بما أهل به لغير الله هو ما ذبح على الأنصاب أو الأوثان - فإذا توجه الذابح بنيته نحو غير الله كانت ذبيحته مما أهل به لغير الله فلا يحل إذن أكلها - وذلك المجوسي يذبح للنار، فإذا ذبح ذكر اسم النار - وكالوثني يذبح للوثن، فإذا ذبح ذكر اسم الوثن على المذبوح - ثم ذلك الذي لا دين له، فهو غير مبال بملة من الملل - ولا يهمه أن يكون ذا دين من الأديان كأولئك الماديين الملحدين، فهم إذا ذبحوا فما تحل ذبيحتهم للأكل، بل ترمي للكلاب ويندرج في هذا الحكم كل ذبيحة يكون توجه النية فيها لدى الذابح نحو غير الله - مثل ذلك الذي يذبح ذبيحته على الدار أو السيارة أو نحو ذلك - وشأن ذلك شان الذي يذبح على النصب أي من أجلها.
وقوله: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) المضطر هو المحتاج - من الفعل اضطر على وزن افتعل، وهو من الضرورة - فمن حاقت به ضرورة أبيحت له هذه المحظورات فله أن يأكل منها.
ويستوي في الاضطرار أن يكون سببه الإكراه من عدو أو ظالم، أو الجوع الشديد الذي يخشى معه الهلاك - فإن للمضطر حينئذ أن يأكل من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل لغير الله به - على أن يكون المضطر غير واجد طعاما غير هذا المحظور، فإن وجد طعاما كالثمر وغيره لواحد من الناس وكان يعلم أنه ليس في أكله ما يجرّ عليه تهمة السرقة، فله أن يأكل منه ما يسد حاجته ويُذهب عنه شدة المخمصة والتلف؛ ليقوى بعد ذلك على السعي إلى أن يبلغ ما يريد.
وفي ذلك أخرج ابن ماجه أن النبي (ص) سئل: أفرأيت إن احتجنا إلى الطعام والشراب؟! - فقال:"كل ولا تحمل، واشرب ولا تحمل".
وأخرجه ابن ماجه بإسناده عن عبّاد بن شرحبيل قال: أصابنا عام مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا 163 - من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله (ص) فأخبرته فقال للرجل:"ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا، ولا علمته إذ كان جاهلا"فأمره النبي (ص) فرد إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق.
وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي (ص) سئل عن الثمر المعلق فقال:"من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه"والخبنة هي ما يحمل تحت الإبط - وخبنت الشيء خبنا أي أخفيته.
وقوله: (غير باغ ولا عاد) غير منصوب على الاستثناء - وقيل على الحال 164 - وباغ أي متجاوز للحد الذي تندفع معه الحاجة؛ إذ ليس للمضطر أن يأكل أو يشرب أكثر مما يحتاج إليه من إذهاب لشدة الجوع وخطره على الحياة - وعاد: أن يجد بديلا عن هذه المحرمات ثم يأكلها.
وفي قول آخر: (غير باغ) أي غير قاصد من أكل المحرمات تحصيل لذة أو شهوة، بل يقصد دفع الحاجة وغائلة الجوع الذي يخشى منه على النفس مع انعدام الطعام الحلال - (عاد) أي مستوف للأكل فوق ما يسد الرمق.