فهرس الكتاب

الصفحة 486 من 2536

ومن ضروبه كذلك الرياء ولكنه ضرب من نوع أصغر - وهو أن تنثني نية الإنسان في عمله دون مرضاة الله لتتجه لإرضاء البشر وذلك هو الشرك الأصغر الذي كان النبي (ص) يحذر أمته منه وأنه أخوف ما كان يخاف منه على أمته - ومما هو جدير بالبيان هنا حقا ذلك الضرب من الشرك الذي غفل عنه معظم الناس في هذا الزمان وفي غالب الأزمان - وتلكم هي طاعة الحاكم الذي نبذ شرع الله واتخذه وراءه ظهريا والذي تعمد أن يقصي شرع الله عن ساحة البشر لكي يقيم مقامه شرعا وضعيا بعيدا عن منهج الله - وتلك جريمة بالغة كبرى تنطوي على التنكر لدين الله وإبعاده عن واقع التطبيق وإبداله بتشريع من صنع البشر وهو في تصوّر الإسلام جحود ونكران يصم صاحبه بالكفر الصريح لقوله سبحانه: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) لكن الأفراد والرعية الذين يسارعون لطاعة الحكام في تشريعهم البديل هم منحرفون عن صراط الله ومنهجه فلا غرابة بذلك أن تلحقهم وصمة الإشراك بالله - ذلك أنهم عبدوا الساسة والحكام الذي يشرعون للبشر على غير ما أنزل الله - وفي تصوّر الإسلام أن من أحلّ ما حرّم الله أو حرّم ما أحلّ الله أو عمل على تعطيل شرع الله لإبداله بشرع آخر فقد شرّع وهو يعني أنه جاء بشرع من عنده بدلا من شرع الله - أما الرعية وعامة القوم الذين يلهثون في خسة وذلة وراء الساسة المارقين المعطلين لشرع الله الرافضين لمنهجه، فقد سقطوا في ظلام الشرك، قال الله سبحانه في النصارى الذين أطاعوا الأحبار والرهبان عندما أحلوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال: (اتخذوا أخبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم) .

قوله: (ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) من اكتسب الشرك فقد تلطخ بأنكر الآثام وأشدها عتوا - وإثم الشرك- كما بينا- لهو من الفظاعة والنكر بما يصغر دونه أي ذنب أو جريرة مهما كانت - فقد أخرج أبو يعلى في مسنده عن جابر أن النبي (ص) قال:"لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب"قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال:"الإشراك بالله - ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئا إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى إن شاء أن يعذبها وإن شاء أن يغفر لها".

قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا) - المراد من ذلك اليهود فهم الذين كانوا يزكون أنفسهم - لكن نوع التزكية لأنفسهم كان موضع خلاف المفسرين - فقد قيل أنهم زكّوا أنفسهم بقولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقيل بقولهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) وقيل: قولهم نحن كالأطفال في عدم الذنوب - فما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل - وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار - فهذا الذي زكوا به أنفسهم - وأحسن ما قيل في ذلك هو ثناء بعضهم على بعض فيكيلون لأنفسهم أو لبعضهم بعضا أفرادا وجماعات كل معاني الإطراء والثناء 91.

والتزكية هي التطهير - ويتم ذلك بامتداح النفس أو الغير بما ينفي عنه النقائص والعيوب والذنوب 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت