قوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} معطوف على {اركضْ} - والضغث، هو الحزمة أو القبضة الصغيرة من الحشيش - وهذا يدل على سابق يمين من أيوب وهو مريض - إذ حلف على أن يضرب امرأته مائة جلدة - ولقد اختلفوا في السبب الذي جعله يحلف مثل هذه اليمين - وأصوب ما ذُكر في ذلك من أسباب أنها خالفته في بعض المهمات؛ إذ ذهبت في بعض شأنه فأبطأت فحلف؛ ليضربها مائة إذا برئ من مرضه - ولما كانت حسنة الخلق، صابرة مطيعة لله حلّلَ الله يمينه بأهون طريقة عليه وعليها وهي أن يضربها بقبضة من حشيش مختلط الرطب باليابس - وبذلك فقد بَرَّ أيوب بيمينه وَوَفّى بما ألزم نفسه به من قسم؛ فإنه ما كان ينبغي له أن يجازي هذه المرأة المؤمنة الصابرة الفضلى بالضرب المؤلم وقد كانت خير معوان له في حياته بعظيم خدمتها له وبالغ حَدْبها واصطبارها عليه في سنِّي الكرب والشدة.
قوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ذلك إكرام من الله لعبده ونبيه أيوب عليه السلام بثنائه عليه لصبره على البلاء؛ إذ لم يحمله ذلك على الجزع أو الخروج عن طاعة الله {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجّاع إلى الله بالإنابة والخشوع والطاعة.
قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} : ذلك ثناء من الله تعالى على فريق من عباده الميامين الأطهار، وهم عباده المصطفون الأخيار، إبراهيم وولده إسحاق وولد إسحاق يعقوب؛ فقد ذكرهم الله جل وعلا وبيَّن علو منزلتهم وشأنهم بقوله: {أُولِي الْأَيْدِي} يعني أولي القوة في دين الله وطاعته {وَالْأَبْصَارِ} يعني البصائر في الدين والعلم.
وجملة القول أنهم أُعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين.
قوله: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} {بِخَالِصَةٍ} ، بالتنوين فتكون {ذِكْرَى} بدلا من خالصة - وتقديره: إنا أخلصناهم بذكر الدار.
والمعنى: خصصناهم بخاصة هي ذكرى الدار؛ وذلك أنهم كانوا يذكّْرون الناس الدار الآخرة ويدعونهم إلى عبادة الله وطاعته والعمل لنيل مرضاته - وقيل: أخلصهم الله بخالصة هي ذكرى الآخرة فليس لهم هم غيرها.
قوله: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} : {الْمُصْطَفَيْنَ} جمع مصطفى، وهو المختار -
يعني أن هؤلاء لمن الذين اصطفاهم الله واختارهم من بين عباده ليكونوا رسلا للناس
-وهم {الْأَخْيَارِ} جمع خيِّر -
وقد سُمّوا بذلك لحصول الخيرية منهم في جميع الأفعال والصفات.
قوله: {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ} :
يأمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بذكر هؤلاء النبيين المرسلين
الأخيار لكي يتأسى بهم في عظيم الصبر وجميل الخصال والأفعال في الإنابة والطاعات واحتمال الشدائد.
قوله: {هَذَا ذِكْرٌ} يعني: هذا القرآن ذكر لكم - وقيل: هذا شرف وذكر جميل يذكر به المصطفون الأخيار أبدا - قال الزمخشري: هذا نوع من الذكر وهو القرآن.