قوله: (فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) الصاعقة هي الصيحة، وقيل النار، أو هي النازلة من الرعد، وكلها معان متشابهة من حيث العذاب الحارق المدمر الذي لا يصيب شيئا إلا دكه دكا وحرفه تحريفا، لما قال قوم موسى مقالتهم العاتية سواء قالها السبعون أو عامتهم أصابهم الله بنوازل من الصواعق الحارقة التي تدمرهم تدميرا، وقد كان ذلك وهم ينظر بعضهم بعضا فكلما أصابت الصواعق فريقا منهم نظر إليهم بقيتهم بعين الوجل كالذي يغشى عليه من الموت.
قوله: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) وهذه حلقة في سلسلة العطايا والنعم التي حظي بها بنو إسرائيل بما لم تحظ به أمة في العالمين، وهي حلقة أخرى جديدة تمثل فيها العطاء الرباني الكريم بأجزل ما يكون عليه العطاء وهو بعثهم من بعد أن دكتهم الصاعقة وماتوا، لقد غفر الله لهم هذه الخطيئة فقرر سبحانه انبعاثهم أحياء بعد أن كانوا أمواتا مدكوكين من شدة الصاعقة القاصمة.
قوله تعالى: (لعلكم تشكرون) كاف المخاطب في محل نصب اسم لعل، والجملة الفعلية بعده في محل رفع خبر لعل، ولقد قرر الله انبعاثهم من بعد الموت من أجل أن يبادروا بالشكران، فعسى أن يكون في هذه المنة الربانية العظيمة ما يستنهض فيهم الفطرة، أو يذكي فيهم يقظة الحس فيدعوا لله بالامتثال والتذلل ويتوجهوا إليه شاكرين.
قوله: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى (ظللنا من التظليل وهو الستر وأصله الظل ومعناه الفيء الذي يغمر فيه المستظل ليحجب عن نفسه حر الشمس والغمام معناه السحاب الواقي الذي يصنع الظل، ومفرده الغمامة وهي السحابة سميت بذلك، لأنها تستر ما دونها نقول: غم الهلال أي ستر بغيم أو نحوه، وفي الحديث الشريف فإن غم عليكم فأكملوا العدة، أي إن سترت رؤية الهلال بغيم أو ضباب فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما.
والمعنى أن الله جلت قدرته قد من على بني إسرائيل في الصحراء الحامية فظللهم بالسحاب الواقي الرخي الذي يغمرهم بستار الفيء، كيلا تلتفح وجوههم وجلودهم بحرارة الشمس الحارقة، خصوصا وأنهم كانوا سادرين في التيه حيث الجفاف والقحط وحيث الشمس البارزة المتجلية التي تصلي من تحتها صلبا، في هذا الجو الشديد الحامي أنعم الله على اليهود بأن سترهم بالغمام من فوقهم كأنما هي المظلة يثوي إليها الناس فتقيهم شر العوادي والبوائق.
قوله: (وأنزلنا عليكم المن والسلوى (أما تأويل (المن (فقد جاء فيه عدة أقوال للمفسرين وهي أقوال متقاربة تتراوح في تفسير المن بين اعتباره طعاما أو شرابا، ولعل خير ما ورد في ذلك ما قاله الإمام المفسر ابن كثير وهو يعرض لأقوال المفسرين في حقيقة المن فقال: والظاهر والله أعلم أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس فيه عمل ولا كد، والمقصود الأهم أن المن ضرب من الطعام أو الشراب أو ما كان مختلطا من كليهما، كان اليهود يتخذونه لهم قوتا سائغا شهيا وهم يجدونه متقاطرا فوق الصخور والأشجار دون أي عناء.