فهرس الكتاب

الصفحة 1328 من 2536

قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) } - العبرة بكسر العين، تعني في اللغة: العجب - اعتبر منه، أي: تعجب 69 - ويراد بها ههنا الآية والدلالة على جلال الخالق في عظيم قدرته وبالغ حكمته؛ إذ خلق الأنعام حيث النسل والدر - هذا الغذاء السائغ النافع المصفى الذي يتخلق في أحشاء الأنعام من أبقارها ونوقها وشائها، وذلك هو قوله في كلماته القليلة الجزلة المصطفاة: (نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا) ، الضمير في (بطونه) يعود إلى الأنعام - وهذا اللفظ ذكره سيبويه في الأسماء المفردة، على لغة بعض العرب، والفرث معناه: السرجين في الكرش - والسرجين أو السرقين بكسر السين المشددة معناه: الزبل معربا 70، وهذا برهان ظاهر باهر بأمر على عظيم قدرة الله، وآية ساطعة جليلة تثير العجب والاعتبار لمن يعتبر - وذلك أن الله يخلق اللبن وسيطا بين الفرث والدم، وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة؛ بل هو خالص من ذلك كله - فإذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما - والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها؛ فتجري الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث في الكرش ثم ينحدر 71.

قوله: (خالصا سائغا للشاربين) (خالصا) ، أي: مصفى عما يشوبه من لون دم أو رائحة فرث أو غير ذلك من الأوشاب - والسائغ، سهل المرور في الحلق - ساغ الشراب سوغا، أي: سهل مدخله 72 - وجاء في الخبر:"ما شرب أحد لبنا فشرق، إن الله تعالى يقول: (لبنا خالصا سائغا للشاربين) وهذه آية عظيمة من آيات الله الكثيرة الدالة على أنه سبحانه حق، وأنه موجد كل شيء - إن هذه العملية العجيبة في تخليق اللبن وتحصيله من وسط الأحشاء، حيث الدم والروث والبول والدهن والأوشاب، ليجيء غذاء سهلا طيبا مستلذا، تستنفر الحس والذهن، وتقطع في يقين جازم على عظمة الخالق الصانع."

قوله: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزق حسنا) ، جاء في قوله: (ومن ثمرات النخيل) عدة أوجه، أظهرها: أنه متعلق بمحذوف، وتقديره:"ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب"، أي: نسقيكم من عصيرها - و (تتخذون) ، بيان وكشف عن كيفية الإسقاء - وقيل: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ومن ثمرات النخيل ما تتخذون 73 - والسكر، بفتحتين، وفي معناه أقوال، منها:"أنه اسم للخل، وهو قول ابن عباس - ومنها: أنه اسم للعصير مادام حلوا؛ فكأنه سمي بذلك لما يؤول إليه لو ترك - ومنها: أنه اسم للطعم - ومنها: أنه من أسماء الخمر - وهو قول الجمهور من أهل العلم - وقال به ابن مسعود وابن عمر وابن جبير وأبو ثور والحسن وابن أبي ليلى وآخرون - وهذه الآية مكية، وقد نزلت قبل تحريم الخمر، ثم حرمت بالمدينة؛ فهي بذلك منسوخة؛ أي أن الخمر كانت لدى نزول هذه الآية بمكة حلالا يشربها كل الناس - وإنما كان تحريمها في المدينة بغير خلاف - وقد حرمها قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) ، فالآية الأولى منسوخة بهذه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت