قوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} وهذه شهادة كريمة عليا من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ذو خلق عظيم - لقد كان (عليه الصلاة والسلام) تتجلى فيه كل المحاسن من الآداب وكريم الصفات والخصال، من حياء ومروءة وشجاعة وسخاء وتضحية، وإيثار وبر ورحمة ولين ونظافة، فضلا عما يرسخ في أعماقه من طهارة السريرة وسلامة النية، فكان أخشع الناس قلبا وأصدقهم طوية، إلى غير ذلك من عظيم الخلال مما لا يتسع لذكره المجال.
وفي حقيقة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى الإمام أحمد عن السيدة عائشة أنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:"كان خلقه القرآن".
وثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط - ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته - وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزّا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى الإمام أحمد عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له قط ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خيّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثما، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله عز وجل.
وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق".
قوله: {فستبصر ويبصرون} يعني سوف تعلم يا محمد ويعلمون يوم الحساب، وحينئذ يوقن المجرمون أنهم صالوا الجحيم، وأنهم هاوون في الخسران والعذاب الأليم.
6 - (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)
قوله: {بأييّكم المفتون} الباء زائدة للتأكيد - يعني ستعلم ويعلمون من الذي فتن، أو مال عن الحق وضل عن سبيل الله المستقيم - وقيل: المفتون معناه المجنون.
قوله: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} الله عليم بمن مال عن سبيله وهو دينه الحق، دين الإخلاص والتوحيد والنجاة {وهو أعلم بالمهتدين} الله عليم بمن اهتدى فسلك سبيل الحق والصواب، وسار في درب الهداية والرشاد - وهذه شهادة من الله لرسوله والمؤمنين، بأنهم على الحق والهدى، على طريق الله المستقيم، ودينه القويم، وما من غيره إلا الشرك والضلال والاعوجاج 1.
قوله تعالى: {فلا تطع المكذبين 8 ودوا لو تدهن فيدهنون 9 ولا تطع كل حلاف مهين 10 هماز مشّاء بنميم 11 منّاع للخير معتد أثيم 12 عتلّ بعد ذلك زنيم 13 أن كان ذا مال وبنين 14 إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين 15 سنسمه على الخرطوم} .
يحذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم من الاغترار بالكافرين المكذبين ومطاوعتهم، أو ممالأتهم والميل إليهم فيما كانوا يدعونه إليه، من الكف عن دينه ليكفوا عنه، أو فيما كانوا يدعونه إليه من دين آبائهم، دين الشرك والضلال.