فهرس الكتاب

الصفحة 1500 من 2536

قوله: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له) يوم القيامة يتبعون صوت المنادي وهو الملك العظيم إسرافيل؛ إذ ينادي الخليقة إلى المحشر (لا عوج له) أي لا يزيغون عن ندائه بل يبادرون مسرعين إليه وجلين غير ناكصين ولا هاربين.

قوله: (وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا) أي سكنت الأصوات حينئذ للرحمن لعظيم مهابته وجلاله (فلا تسمع إلا همسا) الهمس، الصوت الخفي، أو هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى المحشر فلا يُسمع للناس نطق ولا كلام إلا الصوت الخفي الهامس - وذلك مما يغشاهم من أهوال الساعة وقوارعها الرهيبة.

إن هذه الكلمات الربانية بهذه الحروف الهامسة الندية وأنغامها النفاذة الحسان تثير في الخيال ظلالا من العجب والذهول والرهبة.

وهذه المزية القرآنية لا تتيسر ولا تتجلى بمثل هذا القدر في غير القرآن - إنها ألفاظ وحروف قرآنية تنشر في الذهن والخيال صورة جلية محسّة عما يقع من فظائع في يوم القيامة - وما يكاد المرء يقرأ هذه الكلمات والحروف حتى تراوده صورة البعث الهائل، والحشر الحاشد، والقيامة بمشاهدها المرعبة الجسام.

قوله: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} أي في هذا اليوم الحافل تغيب الشفاعات والمقامات والجاهات التي كانت معتبرة لدى الناس في الدنيا فلا تجدي حينئذ شفاعة الشافعين إلا الشفاعة ممن أذن له الله وكان من المؤمنين الصالحين، وكانت شفاعتهم مما يرضى عنها الرحمن.

قوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} أي أن الله يعلم ما يصير إليه الناس من أمر الساعة حيث الثواب والعقاب ويعلم ما خلفهم،

وهو ما تركوه وراءهم في الدنيا.

قوله: {وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما} (وعنت) أي خضعت وذلت - والعاني الأسير - يقال: عنا فلان فيهم أسيرا؛ أي أقام على إساره فهو عان، وقوم عُناة - ونسوة عوان 53 و (القيوم) الدائم بتدبير الخلق؛ وذلك كائن يوم القيامة، حين يأتي الناس خاشعين مستسلمين أذلة، وقد غمرتهم داهية الساعة بعظمائها المذهلة، وغشيت قلوبهم ووجوههم غواش كثاف من الذل والذعر والاستسحار؛ فهم حينئذ خاضعون واجمون حيارى من هول المعاينة ومما يجدونه من جلل الخطوب والمشاهد - كل هاتيك المعاني من الرعب واليأس والاستسلام والخشوع يتجلى في هذه العبارة القرآنية الفذة - العبارة القصيرة الوجيزة ذات الكلمات الموحية المؤثرة، والتي تشْدَهُ الحس والخاطر، وتنفذ إلى الصميم من الوجدان والمشاعر - فما يتملى القارئ هذه الآية حتى يقفز به الخيال في نقلة عجيبة مذهلة إلى واقع مميز جديد، واقع القيامة بغواشيها وعظائمها وعرصاتها - وذلك دليل ظاهر من أدلة كاثرة على أن هذا الكلام من نظم الإله القادر (وقد خاب من حمل ظلما) أي خسر ويئس من أتى ربه يوم القيامة بظلم وهو الشرك - وفي الصحيح:"إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك؛ فإن الله تعالى يقول: (إن الشرك لظلم عظيم) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت