وبعد ذلك يخاطب الله عباده ليحذرهم التحذير المؤثر القارع وليثير في نفوسهم دوام اليقظة والتخوف من بطشه وعذابه، فإنه سبحانه علام الغيوب بصير بالأعمال ما ظهر منها وما بطن.
قوله: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله خير مما يجمعون) اللام في قوله: (ولئن قتلتم) لام القسم - والتقدير: والله لئن قتلتم في سبيل الله - واللام في قوله: (لمغفرة من الله) للتأكيد.
والمعنى المقصود، أن الموت لا محالة واقع - ولا ريب أنه المصير المحتوم لكل إنسان سواء كان ذلك في ساحة القتال أو كان حتفا على الفراش أو على غير ذلك من صور الموت.
فإذا تبين ذلك لزم أن يعلم الإنسان أنه إذا مات قتلا أو حتف أنفه وكان ذلك في سبيل الله وابتغاء مرضاته فلا جرم أن يكون ذلك خيرت من الدنيا وما فيها، بل إن ذلك خير مما يجمعه الإنسان طيلة حياته من أموال كاثرة يركم بعضها فوق بعض - وليست الأموال ولا الشبهات ولا الأهواء في هذه الدنيا غير حطام مركوم لا يلبث أن يزول أو يتبدد حتى لا يبقى منه عين ولا أثر.
قوله: (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) قرئت (متّم) بضم الميم وكسرها - وذلك ترغيب من الله للمؤمنين في الجهاد في سبيله من أجل إعلاء كلمة الإسلام - ولئن فعلوا ذلك فجاءهم الأجل وهم على هذه الحال من الجهاد والذود عن دين الله لا جرم أن الله يتقبلهم في رحمته ويظلهم بظله إذ يحشرون إليه آمين مطمئنين
159 - (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) .
(ما) صلة زائدة للتأكيد - وذلك كقوله: (فيما نقضهم ميثاقهم) فيكون التقدير: فبرحمة من الله - أي أن محمدا صلى الله عليه و سلم صار رحيما بالمؤمنين لينا لهم بفضل من الله ورحمة - فالله سبحانه قد صنع هذه النبي العظيم على عينه ليكون على طبيعته الفذة وسجيته المميزة من فرط الرقة والعطف واللين، فما كان قاسيا ولا فظا ولكن كان يخاطب الناس في غاية من الهشاشة والبشاشة التي لا تتجلى بهذه الدرجة العليا في غير نبي أوتي العصمة.
قوله: (ولو كنت فظا غليظ القلب) الفظ: الشديد الغليظ - والفظ من الرجال يعني الغليظ الجافي، السيء الخلق - نقول: فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ - والغليظ القلب أي القاسي - أو قليل الإشفاق والرحمة.