فهرس الكتاب

الصفحة 788 من 2536

قوله تعالى: {وذروا ظهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم ليجدلوك وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} .

يأمر الله عباده أن يكفوا عن الإثم، ما كان منه في السر وما كان في العلن، أي سره وعلانيته - وقيل: المراد بالعلن الزنا الظاهر - أما السر فيراد به المخادنة - والمقصود بها إتيان الزنا مع الصوابح في السر، فقد ذكر أن أهل الجاهلية كانوا يستسرون بالزنا ويرون ذلك حلالا ما كان سرا - وإذا ظهر كان إثما - ومثل هذا التصور باطل وسخيف - فإن الفواحش كلها حرام يستوي فيها الظاهر والباطن - وشأن المسلم على الدوام أن يخشى الله في كل آن - يخشاه في علانيته وخفيته ويتجنب عصيانه وهو ظاهر للملأ - أو وهو مستور في جنح الظلام أو في معزل عن أبصار الناظرين.

ولئن قارف المسلم شيئا من إثم في علانيته أو سره وجب في حقه أن يبادر التوبة والندامة والاستغفار عسى الله أن يتجاوز عن مساءاته وذنوبه.

قوله: {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} يتوعد الله الآثمين من الناس الذين يقترفون المعاصي ما ظهر منها وما بطن بأنهم سيلقون جزاءهم من العقاب الذي يستحقونه يوم القيامة.

قوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} يدل ظاهر الآية على أن الله نهى عن الأكل من الحيوان الذي لم يذكر اسم الله عليه سواء تركت التسمية عمدا أو سهوا - وهو قول داود بن علي الظاهري وأتباعه من أهل الظاهر - وهو رواية عن مالك وأحمد - وعلى هذا فإن التسمية عند الذبح فرض على الإطلاق وذهبت الشافعية إلى عدم اشتراط التسمية بل هي مستحبة - فإن تركها عمدا أو سهوا لا يضر - وهي رواية أخرى عن كل من أحمد ومالك - وقد حملوا هذه الآية {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} على ما ذبح لغير الله - كقوله: {أو فسقا أهل لغير الله به} وكذلك قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} قالوا: هذا نهي عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان ونهي عن ذبائح المجوس أيضا.

واحتجوا بما رواه البخاري والبيهقي عن عائشة أن ناسا قالوا: يا رسول الله إن قوما حديثي عهد بجاهلية يأتون بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال:"سموا عليه أنتم وكلوا".

واحتجوا كذلك بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال:"إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله".

وذهب آخرون إلى أن ترك التسمية على الذبيحة سهوا لا يضر - وإن تركها عمدا لم تحل - وهذا هو المشهود من مذهب المالكية والحنفية والحنبلية وهو مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى وآخرين - ودليلهم في ذلك حديث ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"148.

قوله: {وإنه لفسق} الفسق معناه الخروج - والمقصود به هنا الخروج عن أمر الله - على أن ترك التسمية لا يكون فسقا، والظاهر أن المراد به هنا الذبح لغير الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت