قوله: {أن تقولوا القيامة غنا كنا عن هذا غافلين} {أن تقولوا} ، في موضع نصب مفعول له؛ أي فعلنا ذلك، من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول، كراهة أن تقولوا، أو لئلا يقولوا 240 - أي خلقكم الله على الفطرة والتوحيد وجعل فيكم كامل الاستعداد للإيمان بالله ثم أشهدكم على أنه خالقكم ومالككم ومعبودكم دون غيره فشهدتم؛ إذ كنتم على الفطرة صادقين - غير مضللين ولا منحرفين - وذلك لئلا تقولوا يوم القيامة: {إنا كنا عن هذا غافلين} أي كنا غافلين عن وحدانية ربنا فضللنا
{أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي ولئلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا لا نعلم ذلك وكنا في غفلة منه - {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا} ونحن ذريتهم من بعدهم اتبعناهم في دينهم ومهاجهم {أفتهلكنا} يا ربنا بما فعله أهل الباطل من الشرك والعصيان 241.
قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين 175 ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون 176 ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون} .
ورد عن ابن عباس وغيره من المفسرين في سبب نزول هذه الآية وهو بلعم بن باعورا، رجل من بني إسرائيل، وكان يعلم اسم الله الأعظم - فلما نزل بهم موسى عليه السلام أتاه بنوعمه وقومه وقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه.
قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي - فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله بما كان عليه - فذلك قوله: {فانسلخ منها} 242 الانسلاخ معناه الخروج - يقال: انسلخت الحية من جلدها؛ أي خرجت منه - والمعنى: أنه انسلخ من معرفة الله ومما أوتيه من العلم كما تنسلخ الشاة عن جلدها {فأتبعه الشيطان} أي لحقه الشيطان فأدركه عقب الانسلاخ من آيات الله فصار قرينا له فأتبعه خطواته {فكان من الغاوين} أي الضلعين في الغواية والضلالة والفسق.
وذلك هو مصير كل من يؤتي حظا من حظوظ العلم والهداية والمعرفة بجلال الله فصدق واستقام ثم انسلخ مما أوتيه من فضيلة العلم والهداية فانقلب على وجهه وقد خسر الدنيا والآخرة وذلك بتأثير الشيطان الذي سول له التحول عن الحق، والانسلاخ عن طريق الله ومنهجه فسلك سبيل الشياطين والضالين المضلين فكان من الهالكين الخاسرين والعياذ بالله.
176 - (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)