فهرس الكتاب
يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بكل أوجه الجهاد المشروعة، وأولها أن يدعوهم إلى الله وأن يفيئوا إلى دين الحق - وذلك بالحجة القاطعة والبرهان الساطع، حتى إذا استبان أنهم معاندون متربصون موغلون في الجحود والعتو قاتلهم بالسلاح لكسر شوكتهم وفض جمعهم وكلمتهم، وإزالة عدوانهم وطغيانهم - وأمره أيضا أن يجاهد المنافقين بالتحذير والوعيد عسى أن يرعووا ويزدجروا.
قوله: {واغلظ عليهم} أي واشدد عليهم في القتال إن كانوا كافرين وفي الموعظة والتخويف وإقامة الحدود إن كانوا منافقين.
قوله: {ومأواهم جهنم وبئس المصير} أي مقامهم النار بكفرهم ونفاقهم، فساء المستقر والمرجع.
قوله: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين} هذان مثلان يضربهما الله للناس، للاستفادة والموعظة وليعلموا أن العقيدة أساس العلائق والروابط بين العباد - فمن كان جاحدا، مكذبا، لا يغنيه أهلوه وذووه وصحبه من عذاب الله شيئا - وهو لا محالة في الأخسرين - ومن كان مؤمنا موقنا موصول القلب بالله لا تضره مكائد المجرمين والمتربصين ولا تزعزعه النوائب والفتن من حوله مهما عتت واشتدت - فقد مثّل الله المثل {للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما} كانتا زوجين لنبيين كريمين صالحين، فخانت كل واحدة منهما زوجها - فزوجة نوح كانت كافرة، وكانت تقول للمشركين إن نوحا مجنون فتغريهم به وتحرّضهم عليه - أما امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه، فما يأتيه من أحد إلا وتشير إلى المشركين لتنبئهم بذلك.
وليس المقصود بخيانتهما اقتراف الزنا - فما كان لامرأة نبي أن تزني البتة - ولكن خيانتهما كفرهما وتمالؤهما مع الكافرين على زوجيهما النبيين الصالحين {فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} أي لم يغن نوح ولوط - عن امرأتيهما الخائنتين من عذاب الله شيئا - فالنبيان الكريمان لا يملكان دفع العذاب عن المرء إلا بالطاعة وإخلاص العبادة لله.
ثم قيل للزوجين الظالمتين {ادخلا النار مع الداخلين} وهذه عاقبة الذين يخونون النبيين بمعاداتهم والكيد لهم والتمالؤ عليهم مع الكافرين - إن عاقبتهم النار يصلونها مقهورين مذمومين 6.
قوله تعالى: {وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين 11 ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} .
وهذا مثل ثان ضربه الله للمؤمنين الموقنين القانتين الثابتين على الإيمان والحق الذين لا يضربهم من خالفهم من الظالمين والطغاة - ضرب الله لذلك امرأة فرعون - هذه المرأة التقية الصابرة الفضلى التي احتملت من نكال فرعون وقهره وتعذيبه ما لا يطيقه إلا الصادقون الأبرار، وأولئك هم أولو العزم المكين والإيمان المتوطد الراسخ الذي لا يهون ولا يضطرب.