فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 2536

قوله: {وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم ليجدلوكم} الشياطين من جنود إبليس يوسوسون إلى أعوانهم وأتباعهم من كفرة البشر ليجادلوا المؤمنين - أي يخاصمونهم - جادله: خاصمه - والمجادلة والجدال بمعنى الخصام - والاسم الجدل بالتحريك وهو شدة الخصومة 149.

هكذا يلقي الشياطين في قلوب أولياؤهم وأتباعهم المشركين الجدال بالباطل، ويوحون إليهم بالزخرف من القول المموه الخادع ليخاصموا به المؤمنين فيشقوا عليهم بالخصام الفاجر أو يحرجوهم إحراجا أو يطوقوهم بالإعنات والتضييق هذا ما يفعله شياطين الجن، إذ يوحون إلى أوليائهم من شياطين البشر الخبيث من القول، وكاذب الأخبار ليخلطوا على المؤمنين دينهم وليشاقوهم بالجدل العقيم الجاحد مشاقة، وذلك بمختلف الأساليب من الخصام الذي يراد منه إحراج المسلمين وإثارة الريبة في نفوسهم تثبيطا لهممهم وتفتيرا لعزائمهم وإذاواء لوهج العقيدة الدافعة في قلوبهم.

قوله: {وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون} إن أطعمتم المشركين في أكل الميتة وغيرها من المطعومات المحرمة استحلالا منكم لها فأنتم مثلهم في الشرك - وحقيقة الأمر في هذه المسألة أن الذي يستحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله معتقدا ذلك لا جرم أنه مشرك خارج عن الملة - وذلك بخلاف المعتقد لأحقية ما أحل الله وما حرم ثم يقترف شيئا من المحظورات فذلكم عصيان لا شرك - ولا غرو فإن المسلم ربما يقع في المعاصي والسيئات لا يسوقه إلى ذلك سوى الضعف وهو موقن في قرارة نفسه تمام اليقين أحقية ما أمر الله، وأن أحكام الشريعة كلها حق، فمثله يظل في زمرة المسلمين وإن خالف وعصى 150.

قوله تعالى: {أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون} .

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حمزة وأبي جهل، إذ رمى الرسول بفرث 151 فأخبر بذلك حمزة حين رجع من قنصه وبيده قوس، وكان ذلك قبل أن يسلم، فغضب وعلا بها أبا جهل وهو يتضرع إليه ويقول: سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا - فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله وأسلم 152 وقيل: نزلت في كل مؤمن وكافر.

الهمزة للاستفهام الإنكاري: وقرأ الجمهور الواو بالفتح - وقرأها بعضهم بالسكون من، اسم موصول في محل رفع مبتدأ - والكاف في قوله: {كمن} خبره 153 - والمراد بالميت هنا الكافر، فقد أحياه الله بالإسلام - وقيل: كان نطفة فأحياه الله بنفخ الروح فيه - والتأويل الأول أولى لإشعار السياق بذلك - فالمقصود التنفير من اتباع المشركين لأنهم على الكفر وهو عين الباطل - وما يتبع الباطل إلا كل عات جحود، أو عتل مستكبر كنود - فإن الذي يعرض عن دعوة الله ويستنكف عما يهتف به النبيون والمصلحون والدعاة إلى الله الذين يبلغون الناس رسالة الله، لا جرم أنه صنو الميت - فكللاهما يخرجان من وهدة سحيقة غائرة واحدة - تلك هي وهدة الظلام والجهالة - وهدة التبلد والموات وركود الذهن - وذلكم الموت الذي لا يسفر عن علم ولا نور ولا هداية، والمراد به هنا الكفر حيث التخبط والظلم والمرض - والمراد بالنور: الهداية - وقيل: القرآن - والمقصود هو نور الحق من الإسلام الذي جعله الله هداية للناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت