فهرس الكتاب

الصفحة 1406 من 2536

قوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (95) قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) } (أن يؤمنوا) ، مفعول ثان للفعل (منع) أي: ما منعهم إيمانهم أو من إيمانهم - والفاعل (أن قالوا) أي قولهم - (إذ) ، ظرف للفعل منع - والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إياهم إلا قولهم: أبعث الله 113.

والمعنى: أن هؤلاء المشركين الذين ظهرت أباطيلهم والذين لجوا في العتو والاستكبار والحسد، ما منعهم من الإيمان بدين الله وكتابه الحكيم، وقت نزول الوحي بالمعجزة الكبرى وهي القرآن حيث الهداية والخير والنور (إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا) وهو استفهام إنكار وجحود؛ فقد كذبوا أن يبعث الله إليهم رسولا من جنس البشر - وهذا التصور خاطئ وضال؛ فإن من الحق والمنطق السليم أن يبعث الله بالرسل لعباده من جنسهم؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل - ولو بعثهم الله من غير جنس المبعوث إليهم لوقع بينهم التنافر، لاختلاف الخلقة والطبائع - وإنما يستأنس المخلوق بنظيره من المخاليق من بني جنسه وليس من جنس مغاير مختلف، وبذلك فإن قولهم إن الرسول ينبغي أن يكون من الملائكة، ليس إلا محض تحكم يؤز إليه الهوى المجرد - وهذا هو مقتضى قوله: (أبعث الله بشرا رسولا) .

قوله: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} (كان) ، هنا تامة؛ أي وجد وحصل (يمشون) ، صفة الملائكة، (مطمئنين) ، حال من فاعل (يمشون) - ويجوز أن تكون ناقصة 114.

وفي هذه الآية يأمر الله نبيه محمد (ص) أن يقول لهؤلاء المكذبين الناكفين: لو وجد في الأرض بدل البشر ملائكة طبائعهم كطبائع البشر فيمشون مثلهم (مطمئنين) أي ساكنين - ومنه الطمن، بالفتح والسكون؛ أي الساكن 115؛ يعني يمشون ساكنين مستقرين (لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) وذلك ليمكنه الاجتماع بهم فيستطيعوا التعلم والتلقي منه؛ لأنه من جنسهم - أما البشر فلا يتيسر لهم ذلك لما بين الجنسين من كبير البون نظرا لاختلاف الأصل والخلقة فيما بينهم؛ فلا يعقل إذن أن يبعث الله رسله للناس من الملائكة - ولكن يبعثهم إلى من يصطفيهم من المرسلين الأخيار؛ لأن هؤلاء أولو نفوس زكية مصطفاة وهم على الغاية القصوى من مراتب السمو الروحي فيستطيعون بذلك أن يتلقوا من الملائكة لما بين جنس النبيين والملائكة من عظيم الطابع الروحي وبالغ الشفافية والطهر.

قوله: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) بعد أن ذكر النبي (ص) للمشركين وجه الاحتجاج عليهم بما بينه لهم من دليل، أمره الله أن يقول لهم: (كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) الله خير شهيدا على كوني صادقا فيما بينته لكم وفيما دعوتكم إليه وما احتججت لكم به، ومن يكن الله له شهيدا فلا جرم أنه على الحق واليقين - و (شهيدا) ، منصوب على الحال، أو التمييز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت