وقوله: {انفروا} من النفر، بسكون الفاء، وهو في الأصل يعني الخروج من مكان إلى مكان آخر لأمر واجب - واسم القوم الذين يخرجون لذلك، النفير 82؛ أي ما لكم إذا قيل لكم اخرجوا مجاهدين في سبيل الله لجهاد أعدائه {اثاقلتم إلى الأرض} أي تثاقلتم إلى نعيم الحياة ولزوم الأرض وما فيها من متاع وزينة، أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ومساكنكم حيث الاستقرار والدعة، وزهدتم في الخروج للقاء المشركين الظالمين.
قوله: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} أي أرضيتم بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة؟! أرضيتم بهذه العاجلة التي تمر في عجل عابر وتغفلون عن الآخرة حيث النعيم المستديم؟! فنعيم الدنيا حطام زائل، ونعيم الآخرة ماكث سرمد - فكيف يستعاض عن الماكث الباقي بالحطام الدائر؟ إنه لا يفعل ذلك إلا ضال مأفون.
قوله: {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} أي فما الذي تستمتعون به في دنياكم هذه مما فيها من اللذات والنعيم في جنب الآخرة {إلا قليل} أي متاع صغير بالغ الهوان.
قوله: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا} ذلك وعيد من الله للمؤمنين لئن تركوا النفر إلى عدوهم لقتالهم وصدهم؛ فلسوف يعذبهم الله عذابا العاجل الموجع في هذه الدنيا، كحبس المطر عنهم ونحوه، وكذلك يستبدل الله بكم آخرين ينفرون إذا استنفروا {ولا تضرون شيئا} أي أن المؤمنين لا يضرون الله بتركهم الجهاد؛ بل إن الله لا يعبأ بضلال العالمين جميعا ولا حاجة به سبحانه إلى الناس؛ بل إن الناس هم المحتاجون إليه.
قوله: {والله على كل شيء قدير} الله قادر على تعذيب المفرطين الذين نكلوا عن فريضة الجهاد، وقادر على استبدال آخرين غيرهم، بل إن الله قادر أن يفعل ما يشاء 83.
40 - (إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
قوله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} {إذ أخرجه} ، في محل نصب ظرف زمان - و {ثاني اثنين} - أي أحد اثنين، منصوب على الحال، {إذ هما في الغار} ، بدل من: {إذ أخرجه} - {إذ يقول} ، بدل ثان 84.