فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 2536

وقوله: (والله سميع عليم) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يعلم من يصلح للاصطفاء من الناس تبعا لاستقامة أقوالهم وأعمالهم.

ثانيهما: أنه سميع بقول امرأة عمران عليم بنيتها 76 إذ قالت ما في الآية التالية وهي: قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) موضع (إذ) من الأعراب جاء فيه أقوال كثيرة منها أنها زائدة، (امرأة عمران) هي أم مريم كانت لا تحمل فرغبت أن يكون لها ولد كغيرها من النساء، فدعت ربها أن يهبها ولدا فاستجاب لها - فلما حملت به نذرت أن يكون مولودها محررا لله - أي خالصا مفرغا للعبادة لخدمة بيت المقدس - وهذا مقتضى قوله: (إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم) (محررا) منصوب على الحال - وتدعو امرأة عمران ربها على أنه السميع العلي، أي السميع لدعائي العليم بنيتي.

قوله: (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى) كان الغالب على ظنها أنه ذكر وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى.

قوله: (والله أعلم بما وضعت) وهذا من كلام الله، لا أم مريم - وهو قول عامة القراء - أي أن ذلك خبر من الله عز وجل عن نفسه أنه العالم بما وضعت - وقيل: إن ذلك على وجه الخبر عن أم مريم أنها هي القائلة - والأول أصوب - وعلى هذه القراءة- وهي أن قائل ذلك هو الله- يكون المعنى أن الله تعالى قال: والله أعلم بما وضعت تعظيما لولدها وتجهيلا لها بقدر ذلك الولد - ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور وأن يجعله (مريم) وولده آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا فلذلك تحسرت.

وفي قراءة ابن عباس (والله أعلم بما وضعت) على خطاب الله لها - أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله العالم بما فيه من العجائب والآيات.

قوله: (وليس الذكر كالأنثى) أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى.

قوله: (وإني سميتها مريم) أي العابدة في لغتهم.

قوله: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) أي وإني أجعل معاذها ومعاذ ذريتها من الشيطان الرجيم بك، وأصل المعاذ الموئل والملجأ المعقل - نقول: عاذ به، واستعاذ به أي لجأ إليه - وهو عياذه، أي ملجؤه - ومعاذ الله، أي أعوذ بالله معاذا - وعذت به معاذا وعياذا، أي اعتصمت 77.

أي أن امرأة عمران ما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلا خادما لبيت الله تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها من الشيطان الرجيم وأن يجعلها من الصالحات القانتات 78.

والشيطان: كل عاتٍ متمرد من الإنس أو الجن أو الدواب - والشاطن معناه الخبيث - والعرب تسمي الحية شيطانا 79.

والرجيم - من الرجم وهو القتل، وأصله الرمي بالحجارة - رجم فلانا أي رماه بالفحش من القول، أو لعنه، أو اطرده 80 أي أن امرأة عمران أعوذت ابنتها مريم بالله عز وجل من شر الشيطان، وأعوذ ذرية مريم وهو ولدها عيسى المسيح عليه السلام، أي تضرعت إلى الله أن تكون مريم وولدها في رعاية الله وصنه، وأن يكونا في عياذ الله أي في عصمته وكلاءته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت