فهرس الكتاب

الصفحة 712 من 2536

وروى الإمام أحمد عن علي قال: لما نزلت هذه {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت - قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال:"لا ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم"فأنزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (220) - ذلك نهي للمؤمنين عن السؤال عن الأشياء التي إذا علموا بها ساءتهم - فالأولى الإعراض عنها وتركها - وبذلك لا ينبغي الإكثار من السؤال عن أشياء ومسائل وتكاليف شاقة عليهم إذا علموا الإجابة عنها اغتموا وتضايقوا منها ولم يستطيعوا القيام بها وتنفيذها وذلك مدعاة للعصيان والاستنكاف عما كلفوا به - وفي ذلك أخرج مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعًا وهات - وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال"والمراد بكثرة السؤال: الإكثار من المسائل في قضايا الفقه من غير حاجة ولا داع - بل على سبيل التنطع والتكلف والإغراق في الجدل والكلام - أو الإكثار من السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بما يكشف عوراتهم ودخائلهم، والاطلاع على عيوبهم وأستارهم.

قوله: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} أي إن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي والرسول بين أظهركم - تبين لكم تلك التكاليف الصعبة التي تسوءكم فلا تطيقونها لما فيها من تشديد وتضييق عليكم - وبذلك تعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها - وفي الحديث"أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته"أما إذا كانت لهم حاجة إلى الاستفسار فلا حرج فيه - كما لو نزل القرآن بأحكام مجملة فسألوا عن بيانها بينت لهم لحاجتهم إليها.

قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثله - والله سبحانه يتجاوز لكم عما يفرط منكم فلا يعاجلكم بعقوبته - وقيل: عفا الله عما لم يذكره في كتابه فاسكتوا أنتم عنه مثلما سكت عنها هو سبحانه - وفي الصحيح"إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها".

قوله: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرينَ} ذلك إخبار من الله عز وجل عن أقوام سابقين سألوا أنبياءهم آيات مثل ما سألتموه أنتم فلما بينها الله لهم وفرضها عليهم كفروا بها وقالوا: ليست هذه من عند الله - واختلفوا في تعيين القوم - فقد روي عن ابن عباس أنهم قوم عيسى عليه السلام سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها - وقيل: هم قوم صالح عليه السلام سألوه الناقة ثم عقروها وكفروا بها - وقيل: هم قوم موسى عليه السلام (بنو إسرائيل) سألوه أن يريهم الله جهرة أو سألوه بيان البقرة - وقيل: كان بنو إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم كذبوهم فهلكوا (221) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت