فهرس الكتاب

الصفحة 982 من 2536

هذه السورة العظيمة من أواخر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد روي البخاري عن البراءة قال: أخر آية نزلت {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} وآخر سورة نزلت براءة - وإنما لم يبسمل في أولها؛ لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام بل اقتدوا في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه - وقد روي الترمذي بإسناده عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر {بسم الله الرحمن الرحيم} ووضعتموها في السبع الطوال - ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: (ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدية وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكان قصتها شبيهة بقصتها وخشيت أنها منها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها؛ فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر {بسم الله الرحمن الرحيم} ووضعتها في السبع الطوال 4.

قوله: {براءة من الله ورسوله} {براءة} ، مرفوع خبر لمبتدأ محذوف - وتقديره: هذه براءة - وقيل: براءة مرفوع على أنه مبتدأ وخبره قوله: {إلى الذين عهدتم} 5 والبراءة تعني انقطاع العصمة - يقال: برئت من فلان أبرأ براءة؛ أي انقطعت بيننا العصمة.

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا بالأراجيف، جعل المشركون ينقضون العهد، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم العهد.

وإذا قل: كيف يجوز للنبي أن ينقض العهد؟ فإنه يجاب عن ذلك بأنه يجوز له نقض العهد مع المشركين على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن تظهر منهم الخيانة فيخشى معها غدرهم وضررهم فينبذ لهم العهد حتى يستوي المؤمنون والكافرون مع معرفة نقض العهد - وهو ما بيناه سابقا في النبذ على سواء عند الخوف من خيانة العدو.

الوجه الثاني: أن يكون الإمام قد شرط لهم أو لبعضهم أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أمر الله تعالى بقطعه فلما أمر بقطعه قطعه لأجل الشرط.

الوجه الثالث: أن يكون مؤجلا إلى مدة معلومة، فإذا قضي الأجل انقضى العهد - وفيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد 6.

قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} سيحوا من السياحة وهي الضرب في الأرض والبعد عن المدن والعمران مع الإقلال من الطعام والشراب 7 - والمعنى: اذهبوا في الأرض كيف شئتم - وليس ذلك من باب الأمر؛ بل المقصود الإباحة فهي إطلاق، لهم وإعلام بحصول الأمان لهم وزوال الخوف عنهم؛ فهم بذلك يسيحون في الأرض آمنين مطمئنين من القتل في هذه المدة - ويستفاد من قوله: {أربعة أشهر} أن من كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطها إلى أربعة ومن كانت مدته أقل من أربعة أشهر رفعها إلى أربعة.

والمراد من ذلك تنذير المشركين وتحذيرهم؛ فيتفكرون خلال هذه المدة؛ ليعلموا أنه لا حيلة لهم في مواجهة المسلمين وقتالهم؛ فليس لهم إلا الإسلام؛ ليكونوا مع بقية المسلمين سواء في العقيدة والدين، أو الجزية؛ فيأمنون على أنفسهم وأموالهم وعبادتهم وإقامتهم - وإن أبوا؛ فلا يستحقون بذلك عنه غير المواجهة والقتال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت