فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 2536

قوله: (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) هذه عبارة أخرى تناط بأولي الألباب - وهي عبادة التفكر في خلق الله - والتفكر من الفكر وهو إعمال النظر في الشيء 300.

والكلام هنا عن أولي الألباب، وهم أولوا العقول النيرة والبصائر الواعية والأذهان المنبسطة التي تمتد لتبلغ الآفاق في سائر أنحاء العالمين لنقف على كثير من الحقائق والعلوم - ولتطلع على ما لا يدركه القاصرون والجهلة من أولي العقول الصفيق.

الله جل جلاله يمتدح الفئة المؤمنة الواعية من الذين يتفكرون في خلائق الله والذين يلجون ببصائرهم في ملكوت السماوات والأرض بما يثير فيهم حاسية الإيمان بخالق كل شيء وبقدرته البالغة المطلقة التي تكشف عن كمال الله وعن روعة الصانع المتعال.

والإنسان السوي ذو اللب إنما يناط به التفكير في خلق الله ليصل بالضرورة وفي اذكار مطرد إلى أن الله هو الخالق المبدع - ومن العبث الخاسر أن يذر الإنسان هذه الخلائق من مركبات هذا الكون العجيب ليتجاوز مداه المحدود ومقدوره القاصر فيتفكر في ذات الله - إن ذلك لهو الخطل الفادح الذي تتعثر فيه تصورات كثير من الواهمين والمغترين - وفي هذا الصدد يقول النبي صلى الله عليه و سلم:"تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره"وهو مروي عن ابن عباس 301.

وقال صلى الله عليه و سلم:"تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا"وهو مروي عن أبي ذر"302."

وعنه صلى الله عليه و سلم أنه قال محذرا الناس أني تفكروا في ذات الله بل في خلقه:"تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله"303 فذلك نهي واضح عن التفكير في ذات الله جلت قدرته - فإن التفكر في ذات الله ضرب من العبث والضلال والمكابرة؛ لأن الإنسان بفطرته الأساسية الراسخة غير مخول ولا مقتدر على التفكر في حقيقة الله سبحانه - فإن الله في حقيقته وذاته فوق كل طاقات البشر، بل إنه فوق الكون والكائنات كافة، وفوق كل مقدور ومستطاع - فلا يقوى الإنسان مهما جهد في النظر على أن يجاوز الخلق ليتطاول في النظر فيفكر في ذات الله - لا جرم أن ذلك من صفاقات الذهن الشاطح التائه الذي ركب صاحبه متن الغرور والضلالة حتى ما يلبث بعد ذلك أن يهوي في الأذلين أو يوغل في الغواية والتردد والارتياب - وذلكم لسوف يفضي في الغالب إلى التخسير والتباب.

وقوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلا) (هذا) ، إشارة إلى المتفكر فيه وهو الخلق والمراد به السماوات والأرض ويعرب (باطلا) على ثلاثة وجوه، الأول: مفعول لأجله منصوب.

الثاني: منصوب على الحال من (هذا) .

الثالث: نعت لمصدر محذوف، أي خلقا باطلا، والباطل، ضد الحق، ومعناه الزائل الذاهب 304 والمعنى أن هؤلاء المتفكرين في خلق السماوات والأرض يقرون بعد يقينهم وإدكارهم أن الله ما خلق هذا الخلق العجيب (باطلا) أي عبثا وهزلا، بل خلقه ليحمل الأذهان والقلوب على التصديق والتثبت واليقين بوجود الله الأحد المتعال.

قوله: (سبحانك فقنا عذاب النار) (سبحانك) ، اسم مصدر أقيم مقام المصدر - وذلك تنزيه لله تعالى عن أن يخلق شيئا باطلا، فالله جل وعلا منزه عن النقائص والعيوب والعبث - وهو وحده المرجو والمقصود أن يدرأ عنا عذاب النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت