فهرس الكتاب
قوله: (اقرأ كتابك) ما من إنسان إلا يبعث يوم القيامة قارئا ليقرأ ما حواه كتابه من أعمال (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) أي يقال له: اقرأ كتاب أعمالك التي أحصيناها عليك في الدنيا فلم نغادر منها شيئا - حسبك اليوم نفسك حاسبا عليك يحصي عليك أعمالك؛ إذ ليس من شاهد عليك غير نفسك - وإنما يقال له ذلك في أفظع ما يتصوره الخيال من ذعر وإياس وحراجة؛ إذ يقرأ كتاب نفسه بنفسه، وهو وحده شهيد على ما يلقاه في كتابه المنشور - وفي هذه الساعة المكروبة الرهيبة من التربص والوجل؛ يبصر المرء كتاب أعماله ليستيقن بعد ذلك أنه من أهل النجاء فينجو ويسعد، أو من أهل الخسران والشقاء ليهوي بعده في النار وبئس القرار - نسأل الله الخلاص من كل كرب ومحنة، والنجاة من كل الأهوال والبلايا 16.
قوله تعالى: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ول تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعت رسولا (15) } من استقام على طريق الهداية والتزم أوامر الله ولم يخالف شرعه ودينه فلا يجازى باستقامته وهدايته غير نفسه أما من زاغ عن سبيل الحق وضل عن منهج الله وقصد غيره من مناهج الضلال والكفر فكذب بنبوة محمد (ص) ، أو ارتاب في شيء من شريعة الإسلام (فإنما يضل عليها) أي لا يضر بضلاله وفسقه وزيغه عن الحق غير نفسه.
وجملة القول في ذلك: أنه ما من أحد إلا يحاسب عن نفسه لا عن غيره - فالمهتدي يجزيه الله ثواب اهتدائه، والضال صائر وحده إلى العقاب جزاء ضلاله وفسقه عن أمر الله.
قوله: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) الوزر معناه الإثم والثقل؛ أي لا تحمل حاملة حمل أخرى 17 - قال الرازي في تأويل هذه الآية: إن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره - وأيضا غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل أحد مختص بذنب نفسه.
قال القرطبي في ذلك: الهاء في قوله: (وازرة) كناية عن النفس؛: أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى حتى أن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة فتقول: يا بني! ألم يكن حجري لك وطاءً؟ ألم يكن ثديي لك سقاء؟ ألم يكن بطني لك وعاء؟! فيقول: بلى يا أمهْ! فتقول: يا بني، فإن ذنوبي أثقلتني فاحمل عني منها ذنبا واحدا! فيقول: إليك عني يا أمّهْ! فإني بذنبي عنك اليوم مشغول!
ويستفاد من هذه الآية بعض الأحكام منها: أن الميت لا يعذب ببكاء أهله وهو قول السيدة عائشة (رضي الله عنها) وقال به آخرون من أهل العلم - ودليلهم قوله سبحانه: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى.
وذهب إلى خلاف ذلك ابن عمر وهو تعذيب الميت ببكاء أهله - واستند في ذلك إلى الخير:"إن الميت ليعذب ببكاء أهله"والصواب أنه لا معارضة بين الآية والحديث؛ فإن الحديث محملة على ما إذا كان البكاء والنوح من وصية الميت كما كان في الجاهلية - أما إذا لم يوص بشيء من ذلك فلا إثم عليه من بكائهم عليه.
ومنها: الأطفال يموتون صغارا، فإن كان آباؤهم مسلمين؛ فإنه لا خلاف في أنهم في الجنة - أما إن كان آباؤهم كفارا ففي شأنهم خلاف بين العلماء - وفي ذلك أقوال ثلاثة.
القول الأول: إنهم في الجنة - ودليل ما رواه أحمد عن خنساء عن عمها أن رسول الله (ص) قال:"والمولود في الجنة".