بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية، وآياتها ثماني وسبعون - وهي تتجلى فيها جملة من السمات التي تفيض عليها بسحائب كثاف من مباهج الجمال، وروعة البناء والتركيب، فضلا عن عجائب المضمون والمعنى الذي يتخلل السورة من أولها إلى آخرها.
وفي السورة من عجائب النظم وزاهر النغم والإيحاء ما يثير في نفس القارئ المتدبر أو السامع المتفكر فيضا من التّملي والبهجة مما يشده إلى معاودة التلاوة في تكرار مستديم، لا تجد فيه النفس شيئا من ملال أو سأم كالذي يقع للمرء في تكرار أيما كتاب آخر - وهذه واحدة من ظواهر الإعجاز في هذا الكتاب الحكيم.
ويتجلى في السورة آية خاصة مميزة مكرورة يقرأها المتدبر باستمرار مستديم، فلا يسأم أو يضجر أو يعاف، بل يستأنس ويبهج ويتلذذ مما يجده في نفسه من إيحاء مثير.
على أن السورة مبدوءة باسم أعظم من أسماء الله وهو"الرحمن"وفي ذلك ما لا يخفى من الإشارة إلى رحمة الله الكبرى - الرحمة الواسعة الفضلى التي تتجلى وتتسع لتشمل الكون كله.
بسم الله الرحمن الرحيم
{الرحمن 1 علم القرآن 2 خلق الإنسان 3 علمه البيان 4 الشمس والقمر بحسبان 5 والنجم والشجر يسجدان 6 والسماء رفعها ووضع الميزان 7 ألا تطغوا في الميزان 8 وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان 9 والأرض وضعها للأنام 10 فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام 11 والحب ذو العصف والريحان 12 فبأي آلاء ربكما تكذبان} .
يعدد الله نعمه على الخلق في السورة كلها - وهي نعم دنيوية وأخروية كثيرة مصدّرة بذكر الرحمن - فهو سبحانه رؤوف بعباده رحيم بالخلق جميعا - والرحمن، مبتدأ، وخبره ما بعده من الأفعال مع ضمائرها.
ثم ذكر الله ما هو أصل النعم وأكرمها وأعظمها، وأشرف ما عرف الكون من حقائق وأشياء، وذلكم هو القرآن، وهو قوله: {علم القرآن} .
قوله: {علم القرآن} فقد يسره للناس، ليفهموه، ويتدبروه، ويقفوا على معانيه، فيعتبروا بها، وليكون لهم على مر الزمان هداية ونورا فيظفروا بسعادة الدنيا، والنجاة يوم القيامة.
قوله: {خلق الإنسان} هذا الكائن العاقل المميز بما يتجلى فيه من خصائص الفكر والنطق والوجدان والضمير والفطرة.
4 - (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)
قوله: {علمه البيان} والمراد به النطق والتعبير عما في النفس والذهن من مقاصد وأفكار، وهذه سمة فضلى اختص الله بها الإنسان، إذ جعله ناطقا متكلما، وذلك بما أودعه من جهاز عضوي وعصبي وعقلي تتحقق به ظاهرة الكلام.
قوله: {الشمس والقمر بحسبان} هذان الجرمان العظيمان وهما الشمس والقمر يجريان في الفضاء بحساب دقيق مقنن، ونظام مطرد موزون لا يختلف ولا يضطرب.
قوله: {والنجم والشجر يسجدان} المراد بالنجم، ما نجم، أي ظهر، من النبات على غير ساق وذلك كالبقول 1 - أما الشجر، فهو الذي له ساق من النبات - وهما كلاهما {يسجدان} أي ينقادان لله فيما خلقا له - فانقيادهما لأمره ليكونا على الكيفية التي ذرأهما الله عليها هو المراد بسجودهما، أو أنهما يسجدان على هيئة أو كيفية لا يعلمها إلا الله.