فهرس الكتاب

الصفحة 1249 من 2536

وهذه هي طبيعة الإسلام القائم على الاعتدال والوسط، والمجانب لكل صور المغالاة او التفريط او التنطع - وهو ما ينسجم والفطرة البشرية خير انسجام - ومن الحق الذي لا مراء فيه أن الإسلام وحده لهو الدين المميز الأمثال الذي يراعي طبائع البشر وما جلبوا عليه من شهوات واستعدادات ورغبات أساسية مركوزة بعيدا عن المكابرة أو التطرف أو الغلو، أو الحرمان أو الكبت - وهذه واحدة من الخصائص الكبرى التي تكفل للإسلام دون غيره أن يصلح عليه الناس ويسعد به الأفراد والمجتمعات في كل الأزمان والأحوال.

قوله: {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} ما يستطيع أحد من الناس ولا رسول من الرسل أن يأتي أمته بمعجزة أو خارقة من الخوارق كتسيير الجبال، أو إحياء الموتى، أو نحو ذلك من الآيات إلا بأمر الله - وذلك رد على الكافرين؛ إذ اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه من الآيات الخرقة وهو ما بيناه سابقا - وجملته - أن ذلك كله بأمر الله وحده - وما يسأل هؤلاء الجاحدون إلا من باب المكابرة والمعاندة والاستسخار - مع أنهم قد جاءهم القرآن وهو خير معجزة مشهودة تتنزل على الأرض فتعيها العقول وتتملاها القلوب - معجزة باقية خالدة لا تبلى ولا تفنى ولا تبيد، لكن الناس عنها غافلون لاهون بعد أن اجتالتهم عن إدراكها ووعيها الشياطين!

قوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي لكل أمر قضاه الله كتاب عنده يكتبه على عباده ويحكم به فيهم - وقيل: في الكلام تقديم وتأخير - والمعنى: لكل كتاب أجل؛ أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت ووقت معلوم - و نظير ذلك قوله تعالى: {لكل نبأ مستقر} والمراد: أن الأمر كله تابع لمشيئة الله واختياره وليس حسب إدارة الكافرين وما يقدمونه من اقتراحات.

قوله: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} اختلفوا في تأويل هذه الآية؛ فقد قيل: يمحو الله ما يشاء من أمور العباد فيغيره؛ إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت، وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت؛ إلا أشياء: الخلق والخلق والأجل والرزق، والسعادة والشقاء.

وفي رواية عن ابن عباس: يبدل الله ما يشاء من القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله {وعنده أم الكتاب} أي جملة ذلك عنده في أم الكتاب وهو الناسخ والمنسوخ ما يبدل - وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.

وقيل: إن الله ينسخ من الأقدار ما يشاء ويثبت منها ما يشاء.

ويعزز هذا القول ما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) وثبت في الصحيح أن: (صلة الرحم تزيد في العمر) .

قوله: {وعنده أم الكتاب} أي اللوح المحفوظ - وهو كل كائن مكتوب فيه، فهو جملة الكتاب وأصله؛ لأن الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أصل المثبت منه والممحو؛ وجملة ذلك كله في كتاب عند الله 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت