فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 2536

وقوله: (فجعلناها نكالا) جعلناها جملة فعلية من فعل وفاعل ومفعول به أول نكالا مفعول به ثان، والضمير في جعلناها يعود على القرية التي مسخ أهلها قردة، وذهب أكثر المفسرين إلى أن القرية هي آيلة والمعروفة الآن باسم إيلات، وقيل إن الضمير يعود على العقوبة التي أنزلها بهؤلاء المخالفين العصاة، ونرجح القول الأول وهو المقصود القرية التي ضرب الله أهلها بالمسخ، أما النكال فهو العقوبة والزجر وهو اسم وفعله نكل أي منع، ومنه الإنكال بمعنى القيود التي ينكل بها أي يمنع بها من الفعل.

وقوله: (لما بين يديها وما خلفها) أي لما حولها من القرى، وذلك هو المعنى الراجح الذي نختاره - فقد قيل: جعل الله القرية المعذبة بالمسخ عبرة لما قبلها وما بعدها من حيث الزمان، وقيل: من حيث المكان، لكن المعنى الأول المختار هو المعتمد والذي عليه كثير من العلماء.

وقوله: (وموعظة للمتقين) مسخ الله أهل هذه القرية الظالمة، ليكون ذلك عظة للذين يتقون الله فيحسبون لعذابه كل حساب، وليعلموا أن الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون، وأنه يوشك أن يسقط عليهم رجزا من السماء يدمرهم تدميرا، أو يصيبهم بعذاب من عنده فيأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

وقوله تعالى: (وإذ قال يا موسى لقومه، إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزؤا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قالوا إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون)

لهذه الآيات مناسبة تتفق الروايات على أنها جاءت لتبين قصة قتيل من بني إسرائيل لم يعرف قاتله فأمرهم الله بذبح بقرة، ومما يلاحظ في اختيار البقرة بالذات دون غيرها من الأنعام أو البهائم أن ذلك شديد الصلة بعبادة بني إسرائيل للعجل، فأراد الله أن يبين لهؤلاء أن ما عبدوه من عجل ليس إلا صربا من الأوثان التي لا تضر ولا تنفع - وأنه كائن هين مهين أعجم لا يملك من العقل والإرادة ما ينجو به من المخاطر المحتملة، مخاطر الذبح وغيره فها هو ذا يهبط على الأرض ذبيحا بعد أن فصدت عنقه السكين الناحرة الحادة، فكيف يليق بذي عقل أن يثني ساجدا عابدا لمثل هذه الدابة العجماء؟.

أما قتيل بني إسرائيل فقد ذكر أنه كان ذا مال كثير ولم يكن له أولاد يرثونه إلا بعض أولي قربى، فاستعجل هؤلاء الميراث قبل أوانه فقتلوا مورثهم المالك ثم اختفوا فتحاكموا إلى موسى لينظر في الأمر أو يطلعهم على القاتل، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة - أية بقرة من غير تقييد بوصف أو شرط - ولو أنهم بادروا في هوادة وبساطة ليذبحوا بقرة من البقر، صغيرة أو كبيرة ومهما كان لونها أو هيأتها لأجزأ ذلك عن المطلوب ولكنهم- كما قيل- شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم بعد أن ألحوا في الطلب المتكرر واستقصوا في معرفة الصفات استقصاء يتحرج منه كل تقي فهيم، وآلوا إلا أن يستوضحوا في مغالاة متنطعة كانوا في غنى عنها لو كانوا أتقياء متورعين أو كانوا معتدلين كراما يجملون في الطلب ويقدرون الله حق قدره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت