قوله: (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) (أم) ، بمعنى بل والهمزة؛ أي بل ألهم آلهة من دوننا تمنعهم من عذابنا - وقال ابن عباس: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم من عذابنا؟ أي أم لهم مانع من سوانا يدرأ عنهم عذابنا - ثم استأنف الإخبار عن آلهتهم فبين أن ما لا يستطيع أن ينصر نفسه أو يمنعها، ولا هو بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يستطيع أن يمنع غيره أو ينصره.
قوله تعالى: {بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) ولئن مسهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) } - أشار بقوله: (هؤلاء) إلى المخاطبين وهم كفار قريش ومن عبد من دون الله آلهة أخرى - فقد بين الله أنه متّع هؤلاء المشركين ومتّع آباءهم من قبلهم بما آتاهم من زينة الحياة الدنيا (حتى طال عليهم العمر) أي طالت أعمارهم في الخير والنعمة، وطال عليهم الأمد في الرخاء، فقست قلوبهم وظنوا أنهم دائمون في حالهم هذا - وهم في ذلك واهمون سادرون في الضلالة بإمهالهم إلى الوقت الذي يأخذهم الله فيه بالعذاب.
قوله: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) المراد بنقص أطراف الأرض هو نقص أرض الكفر والكافرين وذلك بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وجعلها دار إسلام - وذلك تبشير من الله للمسلمين حينئذ بما يفتح الله عليهم من نصر وغلبة - ويؤيد هذا التأويل قوله: (أفهم الغالبون) الاستفهام للتقريع والتوبيخ؛ إذ لم يزدجروا ولم يعتبروا بما يجري عليهم من انحسار وخذلان وهزيمة؛ فهم المغلوبون الأخسرون الأذلون.
قوله: (قل إنما أنذركم بالوحي) أي إنما أخوفكم من العذاب بالقرآن لا من تلقاء نفسي - وما كان من عند الله فهو الحق والصدق، ثم أخبر الله عز وعلا أنه مع إنذار المشركين وتحذيرهم وتخويفهم من العذاب؛ فإنهم معرضون عما أنذروا به - وهو قوله: (ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون) اللام في (الصم) للعهد وهو إشارة إلى هؤلاء المنذرين؛ أي أنهم لا يسمعون الإنذار؛ لأنهم صم عن سماعه فلا جدوى من إنذارهم أو تحذيرهم.
قوله: {ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين} النفحة، من الريح بمعنى الدفعة - و من العذاب بمعنى القطعة 22 - والمعنى: أنه لئن مسّ هؤلاء المشركين أقل قطعة أو دفعه يسيرة من عذاب الله فلسوف يذعنون ويدعون على أنفسهم بالهلاك معترفين بأنهم كانوا خاطئين، وأنهم ظلموا أنفسهم بالوقوع في الخطيئة فاستحقوا العذاب.