و {حسبك الله} ، يعني كافيك الله وناصرك ومؤيدك، {ومن اتبعك من المؤمنين} من، في محلها وجهان، هما الرفع والنصب - أما الرفع: فهو بالعطف على لفظ الجلالة {الله} أي حسبك الله وحسبك المؤمنون، بمعنى: كفاتك الله وكفاك المؤمنون - وأما النصب: فهو على أن الواو بمعنى مع وما بعده منصوب - كما تقول: حسبك وزيدا درهم - والمعنى: كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرا 74.
ذلك تحريض من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه على قتال الأعداء ومناجزتهم في شجاعة واستبسال لا يثنيهم عن ذلك تخاذل ولا خور - ويخبرهم إخبارا لا ريب فيه أنه كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم بالرغم من كثرة أعدادهم وجموعهم وعظيم قوتهم، في مقابلة قلة المسلمين أو ضعف طاقتهم المادية؛ فإنه في كل الأحوال، الله ينصر جنده المؤمنين الصابرين الثابتين على الحق، وعلى منهجه الحكيم ما داموا غير مفرطين ولا مقصرين، وقد أعدوا للقتال وما وسعهم الإعداد، وتهيأوا لهذه الوجيبة العظيمة ما استطاعوا.
قوله: {ومن اتبعك من المؤمنين} أي الله كافيك، والمؤمنين كافوك، أو حسبك الله وحسبك المهاجرين والأنصار - وعلى المعنى الآخر، أن الله كافيك وكافي من تبعك.
قوله: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} {حرض} ، من التحريض وهو الحث والإحماء 75 يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحث المؤمنين ويحضهم حضا على قتال الأعداء في شجاعة وإقدام؛ فلا يجبنوه ولا ينثنون ولا يتخاذلون ولا يولون الأدبار عند اللقاء؛ فإنه لا يولي دبره عند اللقاء خائرا إلا الأنذال والخاسرون - ومن أجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال وعند مواجهة عدوهم - ونظير ذلك ما قاله لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في أعدادهم وجموعهم: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) .
قوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون} ذلك تبشير من الله للمؤمنين بالنصر إن واجه الواحد منهم العشرة من الكافرين - لسوف ينصر الله المؤمنين على قلتهم إن كانوا صابرين ثابتين محتسبين - ثم نسخ هذا التكليف وبقيت البشارة وذلك أنه شق عليهم حين فرض الله عليهم أن لا يفر الواحد منهم من العشرة من الكافرين في القتال - وروي عن ابن عباس قال: لما نزلت {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حتى فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ثم جاء التخفيف فقال: {الآن خفف الله عنكم} إلى قوله: {يغلبوا مائتين} وروي البخاري نحوه - وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين - ثم خفف الله عنهم فقال: {لآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين.
وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس: نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا - فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم - وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم.