قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون 23 قل إن كان آباؤكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} ذكر في سبب نزول هذه الآية أنه لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته: إنا قد أمرنا بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من يتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: نشدناك الله إن تدعنا إلى غير شيء فنضيع، فيرق فيجلس معهم ويدع الهجرة فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم} 42 وفي هذه الآية يأمر الله المؤمنين بمباينة الكافرين وعدم موالاتهم وإن كانوا آباءهم وإخوانهم إن اختاروا الكفر على الإيمان - وهذه مفاصلة ظاهرة بين الإيمان والكفر، أو بين الحق والباطل - فهما نقيضان متضادان لا يلتقيان - أو هما سبيلان مختلفان أعظم اختلاف؛ فسبيل الإيمان والهداية والتقى غير سبيل الكفران والعماية والفجور - فاولئكم يدعون إلى الحق والخير والجنة، وهؤلاء يدعون إلى الضلال والباطل والجحيم - لا جرم أن الفريقين لا يستويان، كما لا يستوي أهل الجنة وأهل النار.
ولذلك حذر الله تعالى تحذيرا من موالاة المؤمنين للكافرين؛ فإنه لا يتولى الكافرين أو يتبعهم ويناصرهم إلا من كانوا لهم نظراء وشركاء - وقد توعد الله في آية أخرى من يتولى الكافرين بقوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}
24 - (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
وتوعد الله أيضا من يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، أو الذي يؤثر أهله وماله وأقرباءه ليحيد بذلك عن منهج الله وعن صراطه المبين، صراط الإسلام الحكيم؛ فقال سبحانه: {قل إن كان آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله} يعني إن كانت هذه الأشياء وهي الأقارب والخلان وما كسبتموه من أموال وتجارة ومنازل فاخرة {أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله} أي إن كنتم تفضلون هذه الأشياء على الله ورسوله، فتحيدون عن الهجرة إلى دار الإسلام، وتؤثرون البقاء في دار الحرب والركون فيها للمشركين، وتأبون أن تجاهدوا في سبيل الله إعلاء شأن الاسلام {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} أي انتظروا ما يحل بكم من العقاب والنكال في الدنيا والآخرة، جزاء تفريطكم في حق الله - والله جل وعلا لا يجعل التوفيق والهداية للناكبين عن دينه الخارجين عن طاعته إلى عصيانه - وهو قوله: {لا يهدي القوم الفاسقين} .