قوله: (واشكروا لي ولا تكفرون) الشكر هو الاعتراف بالنعمة وفعل الطاعة وترك المعصية - وبذلك فإن الشكر يكون باللسان مع إقرار القلب المؤمن بالنعمة، ويرافق ذلك كله العمل بأوامر الله - فإنه لا يجدي شكران باللسان وإقرار بالقلب من غير اقتران بالطاعة - بل إن الشكران على وجهة الأتم إنما يكون بالقول والعمل مع انعقاد القلب على الإقرار والخضوع - وأيما انتقاص من ذلك لسوف يكون كفرانا قد نهى الله عنه فقال: (ولا تكفرون) والكفر هو الستر والتغطية - ويراد به هنا الجحود لنعمة الله - فإن العبد المؤمن مدعو لذكر الله بطاعته، ومدعو كذلك لشكرانه بالاعتراف بنعمه وفضله عليه وعدم كفرانه لهذه النعمة؛ فإن جحد هذه النعم لهو الكفران 146.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) تلك دعوة للمؤمنين الذين يواجهون في طريقهم العراقيل والنوائب والصعاب، من أجل أن يستعينوا على ذلك كله بالصبر والصلاة - وهذان طريقان يقودان في النهاية إلى خير عاقبة - فإما النصر والغلبة في هذه الدنيا أو النجاة والرضوان يوم القيامة حيث الجنة الخالدة والنعيم المقيم.
والصبر لغة معناه حبس النفس عن الجزع - وبذلك فإن الإنسان الصابر هو الذي يحبس نفسه عن مواطن السقوط والضعف، فلا يضل أو يهوي، وقد ورد أن الصبر أنواعه ثلاثة: صبر على ترك المحارم والمعاصي، وصبر على فمعل الطاعات والقربات، وصبر عل المصائب والنوائب كالمرض أو الفقر أو موت قريب أو عزيز.
والله جلت قدرته يدعو المؤمنين في كلامه هذا أن يستعينوا - حال مضيهم على طريق الله والدعوة إليه- (بالصبر والصلاة) فإن الصبر خير ما يهتدي إليه الإنسان الداعية ليظل قوي الأعصاب والبأس، فلا تنال منه الشدائد والفتن - وكذلك الصلاة فإنها من خير ما يفر نحوها المؤمن إذا انتابته النوائب والمحن، فإنه في الصلاة تجد النفس أمنها وسكينتها، ويجد القلب رجاءه وطمأنينته، فيهدأ هدوء الآمن من المحبور - حتى إذا فرغ من الصلاة وجد في نفسه من اشتداد العزم والهمة ما يزداد به ثباتا وحماسة واستعصاما.
ولقد كان من شأن الرسول (ص) إذا حزبه أمر صلى؛ لما في الصلاة من عذوبة الأمن والطمأنينة وسكون الأعصاب الفائزة المضطربة في ساعات تتوالى فيها الكروب وتشتد فيها الأحوال والخطوب - ولا يجد المؤمن العابد المبتلى حينئذ من مندوحة إلا الفرار إلى الله يبث إليه الشكوى، ويطرح ما في نفسه من لواعج التأزم والأسى، وذلك عبر خطاب يجلله الخشوع في الصلاة أو الدعاء، وبعد ذلك سوف يجد المؤمن العابد الصابر أنه غير مسيب ولا منقطع، وأنه في رعاية الله وكلاءته (إن الله مع الصابرين) .
154 - (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ)
قوله: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) .
قوله: (أموات بل أحياء) أموات وأحياء، مرفوعان؛ لأن كل واحد منهما خبر لمبتدأ محذوف - والتقدير: هو أموات، بل هم أحياء 147 ينهى لله عن تصور الموت لمن يقتل في سبيل الله شهيدا - فإن الشهادة عظيمة الأمر والقدر - وإن الشهداء صنف مميز من الناس الذين كتب الله لهم الرفيع من الدرجات، ليجيئوا في المنزلة بعد النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقا.