فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 2536

وروى البخاري أيضا عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا قام رسول الله صلى الله عليه و سلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا - فنزلت الآية (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أني حمدوا بما لم يفعلوا) اسم الموصول (الذين) في محل نصب مفعول به أول - والمفعول الثاني: (بمفازة) والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه و سلم والمعنى المقصود: لا تحسبن يا محمد أولئك الماكرين والمنافقين الخبثاء الذين يفرحون بما فعلوه من تدليس وكتم للحق ليخفوه عن الناس، والذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الوفاء والصدق وإظهار الحق (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) وهو تأكيد - والمعنى لا تحسبنهم (بمفازة) أي بمنجاة من العذاب - أي فائزين بالنجاة منه، بل إن لهم العذاب الأليم؛ لسوء طبعهم وفساد قلوبهم وأخلاقهم إذ يأتون بالفعل الذي لا ينبغي ويفرحون به ثم يحبون من الناس الإطراء والثناء فيصفون بسداد السيرة والاستقامة.

قوله: (ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير) أي أن الله جل جلاله يملك كل ما حوته السماوات والأرض

-وما من شيء في هذا الكون إلا هو مملوك لله،

وهو بين يديه لا يعز عليه أن يفعل فيه ما يريد 297.

قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) .

ذلك نداء رباني مجلجل يحرض الله فيه الإنسان على حسن التفكر وإدامة التملي والنظر في مركبات هذا الكون الهائل المديد - الكون الشاسع المخوف الذي يستوقف الذهن والحس ويشده البال والنفس، ويهتف بالفطرة لتظل رهيفة مستجاشة لا جرم أن الكون الهائل المذهل حافل بعجائب الأشياء والخلائق، ومترع بغرائب الدقائق والحقائق - فلا يبرح المرء وهو يديم النظر والتبصر والتفكر حتى تأخذه غمرة غاشية مثيرة من الدهش الذي يخلب اللب خلبا - وما سيتزيد المرء من ساعات التدبر والادكار في صفحات هذا الكون المريع حتى تتعاظم في أطوائه العقلية والروحية حقيقة اليقين الجازم على أن الله حق وأنه جل في علاه خالق كل شيء.

وهذه حقيقة مكينة وراسخة في أذهان أولي العقول البصيرة المستنيرة، وهم يتدبرون ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ما بين شموس وأقمار ونجوم ضخام ثوابت، أو كواكب دائرة سيارة تمضي في أفلاكها ومداراتها دورانا منتظما رتيبا من غير خلل ولا تخلف ولا اضطراب - وما بين أجرام كونية عظام تعدل من أحجام الأرض والشمس والقمر ملايين المرات، فضلا عن أنواع الأجرام الكاثرة المتناثرة في هضم هذا الكون الذي لا تعي مداه أو اتساعه مدارك البشر - وفوق ذلك كله هذا الناموس الإلهي الراسخ المطرد الذي يضرب في أغوار الخليقة برمتها سواء في ذلك الأرض والسماء - الناموس الإلهي الذي تسير بمقتضاه الحياة والكائنات والخلائق والأجرام على غاية من التوازن والانسجام والإحكام - فلا خلل أو تعثر أو فوضى - ولا اضطراب أو اختلاف أو تفاوت، وإنما هو النظام الرباني الثابت المتسق الذي تأخذه بموجبه عجلة الحياة والكائنات في المسير والحركة على أتم صورة وأكمل نظام - وذلكم هو الناموس أو القانون الذي يقوم عليه بنيان السماوات والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت