أجل: ليس المقصود من الآية أنهم خير الناس على مر الزمن أو أنهم أفضل الأمم في العالمين طرا طيلة الدهر والزمان، وإلا كان التناقض حاصلا في القرآن ونحن نتلوا قوله سبحانه عن أمة الإسلام: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) .
إن المقصود من تفضيلهم على العالمين بالمفهوم الواضح المستبين أنهم قد أوتوا في زمانهم في هذه الدنيا خيرات وأنعم لم تتيسر لأحد غيرهم، وأنهم قد بعث الله فيهم أنبياء كثيرين ما بعث مثلهم في أمة أخرى، فالتفضيل بذلك قدج مضى وانقضى بعد أن جيء بأمة أخرى أفضل منهم.
وبعبارة أخرى فإن التفضيل ليس لأنهم يهود: أو من نسل يعقوب ولد إسحاق عليهما السلام ولا لأي اعتبار آخر يقوم على الجنس أو اللون أو العرق، وكذلك فإن التفضيل ليس للزمان وكل زمان مهما امتد الزمان كما يخلط أحبار يهود أو يغلطون في غير معرفة أو خشية من الله بل إن التفضيلغ كان مسألة دنيوية عابرة لما بينا من ضروب العطاء الذي أسبغه الله عليهم في هذه الدنيا، أما في الآخرة فلهم شأن آخر من الحساب المرير على ما اقترفوه من جرائر وموبقات، مثل قتلهم النبيين والعلماء وقولهم على مريم بهتانا عظيما، وكذلك نكرانهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، ثم ما ارتكبوه في حق البشرية من حبك لمؤامرات الشر والفساد التي تحاك في الظلام من خلال منظمات خبيثة ألت على نفسها إلا أن تعيث في هذا العالم تخريبا وإفسادا بكل الأسباب والوسائل مهما سفت وعنت.
قوله: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا (يوما، مفعول به، أو منصوب على الظرف - 43
يحذر الله من يوم القيامة، وليس المقصود اليوم نفسه وإنما المقصود ما في هذا اليوم من فوادح قواصم وأهوال رعيبة جسام، ويكشف عن ذلك قوله تعالى في آية أخرى حول هذا الموقف العصيب: (يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (وفي هذا اليوم وما يتخلله من أحداث مخوفة قوارع: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا (أي لا تكفي ولا تغني عن نفس شيئا، فكل امرئ مرهون بعمله لا تحمل نفس من أوزاره شيئا، قال سبحانه:(ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) .
قوله: (ولا يقبل منها شفاعة (والشفاعة من الشفع وهو ضم الفرد الى الفرد ليكونا اثنين، والفعل شفع أي ضم واحدا الى آخر، نقول شفعت الركعة أي جعلتها اثنتين، ويشتق من ذلك الشفعة والشفاعة وهي ضم ذات إلى ذات أخرى للمطالبة بشيء معين، 44 والمراد من الآية أن هؤلاء المشركين الضالين لا تنفعهم شفاعة أحد من الناس، وفي مثل ذلك يقول عز من قائل: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين (وفي يوم القيامة تذهب المعايير التي أوجدتها تصورات البشر وأعرافهم، ولا تبقى أية قيمة للاعتبارات الدنيوية كالمال والولد والعشيرة وغير ذلك من المظاهر التي تعودت المجتمعات أن تعيرها كل اهتمام وتقدير.
قوله: (ولا يؤخذ منها عدل (العدل معناه الفداء، وهو ما يعادل في الوزن والقدر، وفي الآية: (أو عدل ذلك صياما (وذلك في المشركين الهلكى الذين لا تنفعهم عند الله شفاعة ولا يؤخذ منهم فداء من المال نظير خلاصهم أو العدول عنهم، وفي ذلك بقول سبحانه:(فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم) .