فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 2536

قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما) .

ذلك حكم من الله عام في الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله - ويتسع الحكم في الذين كفروا ليتناول الكافرين جميعا، سواء منهم المشركون أو أهل الكتاب أو الملحدون، وهؤلاء كافرون مخالفون عن أمر الله ومعادون للإسلام بكل أسباب العداء وطرقه وأساليبه وإذا اختلط الكفر بالصد عن سبيل الله فقد اكتملت الجريمة وازدادت فظاعة وعتوّا وذلك شأن الظالمين والكافرين اللّد الذين يقفون في وجه الإسلام؛ ليصدوا عنه صدودا، وليواجهوا أتباعه والداعين إليه بالصد - وفي الصد تعميم وشمول يتناول كل وجوه التحدي والردع وكل ضروب الكيد والمعاداة وكل صور التشكيك والتعذيب والتشويه فيما يرد الناس عن دين الله ويثنيهم عن اتباع منهج الحق، منهج الإسلام.

ولا يبوء بهذه الجريمة المزدوجة (الكفر والصد) إلا الذين يضلّون ضلالا بعيدا - أي بعدوا عن الهداية والخير بعدا عظيما، وهو بعد غائر سحيق يهوي بالكافرين الصادّين في أطواء الضلالة وأغوار التيه ليبوءوا بالهلاك والخسران.

ثم تعاود الآية قضية التأكيد على فظاعة الكافرين الظالمين باستحالة المغفرة لهم وأن طريقهم سيؤول بالقطع إلى جهنم فيقول سبحانه: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا) وهذه جريمة مزدوجة أخرى تتألف من كفر وظلم - والكفر هو الجحود والتنكر، أما الظلم فيأتي في القرآن بمعنى الشرك، وهو يأتي منسجما مع مفهومه في اللغة، وهو وضع الشيء في غير محله، فالذين ظلموا لا جرم أن ظلمهم- كيفما كان- لهو وضع للشيء في غير محله، وهؤلاء قد أوقعوا أنفسهم والآخرين في مغبة الظلم - وعلى ذلك فإن الله لا يغفر لمثل هؤلاء (ولا ليهديهم طريقا) أي أن هؤلاء الكافرين الظالمين الذين رفضوا منهج الله وأبوا أن يهتدوا لا يستأهلون طريق الهداية والرشاد.

ولكنهم يستأهلون ما يسوقهم إلى جهنم ليكونوا فيها خالدين خلود الآبدين - ولا يعز على الله مثل هذا الإجراء أو التقدير بل إن كل إجراء أو تقدير أو تصرف لهو عند الله أمر مقدور ميسور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت