فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 2536

{أفتطعمون} جملة فعلية تتألف من فعل وفاعل"واو الجماعة"والهمزة للاستفهام وهو هنا إنكاري، والآية تيئيس للمسلمين أتباع الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) من إيمان يهود - أي هل ترجون أن يؤمن لكم هؤلاء اليهود فيصدقوا نبيكم وكتابكم مع أن آباءهم كانوا أشرار غلاظا يسمعون التوراة كتابهم، ثم يتأولونها على غير معناها الصحيح؟ كل ذلك وهم يعلمون في قرارة نفوسهم أنهم كاذبون، وأن تأويلهم للتوراة كان على الوجه المحرف الفاسد - ذلك إيحاء مكشوف لأتباع ملة الإسلام بأن هؤلاء اليهود لا خير فيهم، وأنهم لا رجاء ولا أمل في إيمانهم وعودهم إلى الحق والرشاد، فمثل هذا العود يستلزم نفوسا كريمة خالية من الشذوذ والعطب، أو طبائع تنطوي على فطرة نقية سليمة غير شوهاء، وأنّى لهؤلاء القوم المتمردين الفساق أن يكونوا على هذه الخلقة من سلامة النفس والطبع والفطرة؟ أنّى لهم ذلك وهم الذين قرأوا التوراة كتابهم المقدس، ووعوه على حقيقته ثم انفتلوا يحرفونه تحريفا ويزيفونه تزييفا؟ وليس ذلك على سبيل الجهل أو سوء الدراية، ولكنه العمد المقصود الذي تحرض عليه النفس الخربة الكزة - كل ذلك التحريف والتزييف مقصود لا يحفز إليه إلا الرغبة المجردة في الشر والنكوص الجانح صوب الخطيئة والإثم.

{وهم يعلمون} تعلم يهود أنهم قد نبذوا كلام الله التوراة بعد ما درسوه ووعوه وعقلوه.

قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفل تعقلون - أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} هذه الآية في منافقي اليهود، أولئك الذين آمنوا للمسلمين في الظاهر، لكنهم في بواطنهم يخفون الكفر - كان هؤلاء المنافقون من اليهود إذا لقي أحدهم مسلما تظاهر له بالإيمان وحدثه بصدق نبوة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وأن خبره قد ورد في التوراة من قبل أن يولد أو يبعث - لكن هؤلاء النفر من يهود كانوا إذا رجعوا إلى قومهم من بني إسرائيل لاموا قبلهم لوما مقرعا شديدا؛ لأنهم حدثوا المسلمين بما أطلعهم الله عليه - وذلك قوله سبحانه: {وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} الفتح معناه القضاء والحكم - أي كيف تحدثون المسلمين بما حكم الله لكم من خبر نبوة محمد الذي ورد في التوراة {ليحاجوكم به عند ربكم} أي ليكون في ذلك حجة لهم عليكم، وهو أنكم كنتم قد وقفتم على صدق نبوة صاحبهم من قبل، ثم انقلبتم بعد ذلك مكذبين - وقيل: ليحاجوكم أي لعيروكم بأنهم خير منكم لما أطلعتموهم عليه من خبر التوراة في صدق رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) - قالوا لهم ذلك في تقريع وتوبيخ شديدين {أفلا تعقلون} أليس فيكم عقل يبصركم بعاقبة ما أقدمتم عليه من إخبار لهؤلاء المسلمين عن حقيقة أمرهم ودينهم في التوراة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت