قوله: (جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) يعني جاءت هؤلاء الأمم رسلهم الذين أرسلوا إليهم ليدعوهم إلى دين الله الحق- بالحجج والدلالات الظاهرة على صدق دعوتهم لكنهم جحدوهم وصدوهم (فردوا أيديهم في أفواههم) وثمة خلاف في تأويل ذلك - فقد قيل: لما سمعوا كلام الله عجبوا منه ووضعوا أيديهم على أفواههم - وقيل: ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء يشيرون إليهم بالسكوت - أو وضعوها على أفواههم يسكنونهم ولا يذرونهم يتكلمون.
وقيل: وضعوا أيديهم في أفواههم ضحكا واستهزاء كمن يغلبه الضحك فيضع يده على فيه - وقيل: عضوا أصابعهم تغيظا عليهم من أجل دعوتهم التي جاءوهم بها - كقوله: (عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) وهو تأويل قوي.
وقيل: ردوا عليهم قولهم وكذبوهم وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به وهو قولهم: (إنا كفرنا بما أرسلتم به) وهو قوي كذلك؛ أي كذبنا ما جئتم به وما تزعمون أنكم أرسلتم به (وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) أي إننا في مِرْية مما جئتمونا به من توحيد الله وإفراده بالعبادة (مريب) أي موقع في الريبة والتهمة؛ فهذا الشك الذي يقلقنا ويخالط أذهاننا أوجب لنا التهمة والارتياب وعدم الثقة بكم 14.
10 - (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)
قوله تعالى: {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} أي يمتعكم في الدنيا بالطيبات واللذات، ويؤخركم إلى وقت مسمى عنده وهو الموت فلا يعذبكم في العاجل.
قوله: (قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا) قالت الأمم السابقة لأنبيائهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا في الهيئة والصورة؛ فها أنتم تأكلون كما يأكل البشر وتشربون كما يشرب البشر - فما تريدون مما جئتمونا به إلا أن تصرفونا عن عبادة ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام (فأتونا بسلطان مبين) فأتونا ببرهان يبين صحة قولكم وحقيقة ما تدعوننا إليه لنعلم أنكم محقون.
كذلك كان منطق الأمم الغابرة الضالة، المنطق الفاسد السقيم، منطق الجهالة والتقليد المضلل الأعمى واتباع ما كان يصنعه الآباء السابقون كيفما تكن حاله من السخف والسفه والضلالة - وذلك هو شأن الجاهلين المضللين في كل زمان، ممن يألفون صنع الآباء وإن كان باطلا، ويأنفون مما يدعوهم إليه المهتدون الصادقون وإن كان صوابا.
قوله تعالى: {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) } .