قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} أولات الأحمال مبتدأ، ومفرد أولات، ذات - وأجلهن، مبتدأ ثان، و {أن يضعن حملهن} خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره، خبر عن المبتدأ الأول، ويجوز أن يكون أجلهن بدلا من أولات 7.
والمعنى أن كانت حاملا فعدتها بوضع حملها ولو كان عقيب الطلاق أو الموت بوقت قصير - وهو قول الجمهور من علماء السلف والخلف وذلك لعموم هذه الآية والحديث سبيعة الأسلمية - فقد أرسل ابن عباس إلى أم سلمة يسألها عن ذلك فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد موته بأربعين ليلة فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية توفي عنها زوجها وهي حامل فلم يمكث إلا ليالي حتى وضعت فلما تعلّت من نفاسها خطبت فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح فأذن لها أن تنكح فنكحت.
وروي عن علي وابن عباس (رضي الله عنهم) أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع أو الأشهر عملا بهذه الآية والتي في سورة البقرة - والصحيح قوله الجمهور بما بيناه من دليل.
قوله: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} من يخش الله فيهتد بهديه ويلتزم أوامره وأحكام دينه - ويجتنب معاصيه فإن الله (جل وعلا) يسهّل له أمره ويجعل له فرجا ومخرجا من كروبه ومشكلاته ويكتب له التوفيق والخير والنجاة.
قوله: {ذلك أمر الله أنزله إليكم} الإشارة إلى ما بينه الله من أحكام الطلاق والرجعة والعدة - فذلك أمر الله أنزله إليكم لتلتزموه وتعملوا به.
قوله: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} يعني من يخش الله فيجتنب معاصيه ويؤدّ فرائضه، يمح الله عنه ذنوبه وسيئاته ويجزل له الثواب والأجر 8.
6 - (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)
قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضارّوهن لتضيّقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى 6 لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} .
هذه جملة من أحكام المرأة المطلقة حال اعتدادها - وهي أحكام ربانية تفيض بالعدل والرحمة والرفق والحسنى التي يفرضها الإسلام على الرجال للنساء دفعا للحيف عنهن ودرءا للأذى والإضرار أن يحيق بهن - فأيما إضرار يقع على المرأة في نفسها أو مالها أو سمعتها وكرامتها فإنه محظور وينبغي دفعه وإزالته - قال سبحانه: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} من وجدكم، يعني من سعتكم وطاقتكم وذلك في المطلقات وهن يقضين عدتهن فعلى الأزواج أن يسكنوهن عندهم حال اعتدادهن مما يجدونه من السعة، من غير حرج في ذلك حتى تنتهي عدتهن.
قوله: {ولا تضارّوهن لتضيّقوا عليهن} المضارة، إلحاق الضرر بها - فيحرم على من طلّق زوجته أن يضارها أو يضاجرها فيؤذيها بوجه من وجوه الإضرار والأذى ليضطرها بذلك أن تخرج من مسكنها أو تفتدي من زوجها المضارّ بمالها.