فهرس الكتاب

الصفحة 1783 من 2536

سورة العنكبوت:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية كلها - وهي فيها من القصص وأخبار السابقين من المرسلين والأمم ما فيه موعظة ومزدجر لكل ذي بال وعقل - فما يتفكر البصير في مضمونات هذه السور العظيمة حتى يغشاه الإعجاب والدهش والرهبة لعظيم ما يجد من فظائع الظالمين، وما نزل بهم من هلاك وويلات وتدمير؛ كقوم نوح ولوط وشعيب وقوم عاد وثمود - وكذلك قارون وفرعون وهامان، أولئك العتاة الأشرار الذين دمّر الله عليهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر بما شاء من صور البلاء والتدمير جزاء طغيانهم وفسادهم وصدهم عن دين الله ومنهجه القويم للناس.

وفي السورة تنديد بالغ وتهجين شديد لأولئك المشركين الخاسرين الواهمين، الذين يَلون الطغاة المتجبرين من الساسة الكفرة والولاة الغاشمين المتسلطين على رقاب المسلمين، يبتغون عندهم الحظوة في الجاه أو المكانة أو الرعاية والحماية - أولئك هم الأرذال والخائرون المستخَفون من أولي القلوب الخاوية والعزائم المنهارة، الذين يلهثون خلف الساسة المجرمين والحاكمين العتاة؛ ليجدوا في ظلمهم وتحت سطوتهم بعض ما يبتغون من الحوائج الدنيوية المبتذلة - وأولئك في صنيعهم المهين هذا إنما مثلهم مثل الذي يثوي إلى بيت العنكبوت ليجد بين خيوطه وتحت نسيجه الواهي الحماية والرعاية - لا جرم أن {أوهن البيوت لبيت العنكبوت} .

إلى غير ذلك من القضايا؛ كالتوصية بالفريضة الكبرى للصلاة، ومجادلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى بالرفق واللين وحسن الحديث.

على أن السورة كلها جاءت مبدوءة بالاستفهام الإنكاري {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} وذلك ليتبين للمسلمين والدعاة إلى الله أنهم مبتلون في حياتهم الدنيا بمختلف ضروب البلاء، كيما يستبين الصادقون من الكاذبين، والمخلصون من المنافقين، والأقوياء من الخائرين - جعلنا الله من الثابتين الصابرين المخلصين إلى يوم الدين.

بسم الله الرحمن الرحيم

{الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُون} .

مضى الكلام عن الحروف المقطعة من فواتح السور.

والاستفهام هنا في قوله: {أحسب الناس} للتوبيخ - و {أَن} والفعل، في موضع نصب للفعل {أَحَسبَ} وقد سدت أن والفعل مسدّ مفعولي حسب - وأن يقولوا: في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: بأن يقولوا - وقيل: بدل من الأولى 1؛ فالله يبين لعباده المؤمنين أنه لا بد من ابتلاءهم في حياتهم الدنيا بحسب ما آتوه من درجات الإيمان، فكل مبتلى بدرجة إيمانه وعزيمته - وبذلك فإن المؤمنين المخلصين الأبرار مبتلون في أنفسهم وأموالهم ومصالحهم بل هم أشد الناس ابتلاء ومواجهة للفتن على اختلافها وتعدد صورها وأشكالها - وفي الحديث الصحيح:"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل - يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء"جعلنا الله من المخلصين الصابرين الثابتين على الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت