فهرس الكتاب

الصفحة 1342 من 2536

على أن الحلف الذي كان في الجاهلية قد شدّه الإسلام وحضّ على الوفاء به، وخصه النبي (ص) فيما رواه أحمد عن جبير بن مطعم:"لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة -"وذلك يعني أنه لا يُحتاج في الإسلام إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه؛ فقد جاء الشرع بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه، ودفع المظالم عن المظلومين - وفي الصحيح:"انصر أخاك ظالما أو مظلوما -"قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال:"تأخذ على يديه -"وفي رواية:"تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره -"وفي الخبر:"إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده".

قوله: (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) ، (تنقضوا) : من النقض وهو ضد الإبرام 106 - و (الأيمان) : جمع يمين: وهو القسم، فقد كانوا يتماسحون بأيمانهم فيتحالفون - وجمعه أيضا أيمن؛ وايمُ الله وايمنُ الله؛ أي: ايمن الله قسمي 107 (توكيدها) ، التوكيد مصدر وكد يؤكد، بالواو والتشديد 108.

والمعنى: لا تخالفوا ما تعاقدتم عليه الأيمان بعد توثيقها وتأكيدها - والمراد أيمان البيعة على الإسلام، أو مطلق الأيمان - (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) ، في محل نصب على الحال من فاعل (تنقضوا) ، أي: لا تبطلوا أيمانكم بعد ما جعلتم الله شاهدا ورقيبا على ما تعاقدتم عليه.

قوله: (إن الله يعلم ما تفعلون) ، ذلك تحذير للمسلمين وتخويف من مغبة الغدر ونقض الأيمان بعد توثيقها؛ فإنه عز وعلا يعلم ما يفعلونه في أيمانهم ومواثيقهم من صدق أو كذب - ومن وفاء أو خيانة - وهو مُسائلهم عن كل ذلك ومجازيهم.

92 - (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)

قوله: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) ، (أنكاثا) ، حال من (غزلها) ، وقيل: مفعول ثان للفعل (نقضت) أي صيرت غزلها أنقاضا - والأنكاث جمع نكث بكسر النون؛ أي: منكوث، بمعنى: منقوض 109؛ والمعنى: أن الله ينهى عباده المؤمنين عن نقض الأيمان بعد توكيدها - فنقضها حرام؛ لأنه غدر وخيانة وسوء في الخلق يتلبس به الناقضون للعهود والأيمان - والله جل وعلا يحذر المؤمنين من نقض عهودهم وأيمانهم بعد إبرامها وتوثيقها، كيلا يكونوا في ذلك نظراء لامرأة ضالة حمقاء تنقض غزلها بعد إبرامه وإحكامه - ولا يجترئ على نكث العهد أو العقد أو اليمين إلا السفيه الأحمق.

وقيل: إن التي كانت تفعل ذلك امرأة حمقاء خرقاء معروفة بمكة، كانت تنقض غزلها عقب إبرامه، فكلما عقدته نكثته.

والصواب: أن الآية تفيد عموم التحذير والنهي عن نكث العهود والمواثيق - وإنما هذا مثل ضربه الله لناقض العهد أو اليمين؛ إذ شبهه بامرأة تنقض غزلها بعد إحكامه وتقويته، لغير مصلحة ولا جدوى إلا الحماقة والسفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت