فهرس الكتاب

الصفحة 1858 من 2536

قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وهذه صفة أخرى يصف الله بها عباده المؤمنين الصالحين وهي إنفاقهم مما رزقهم الله من المال في وجوه البر والخير والطاعة - وفي هذا الصدد روى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفره فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار - قال:"لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"ثم قال:"ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل"ثم قرأ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} حتى بلغ {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ثم قال:"ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟"فقلت: بلى يا رسول الله فقال:"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"ثم قال:"ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟"فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه ثم قال:"كف عليك هذا"فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال:"ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟!"قال الترمذي عنه: حسن صحيح.

قوله: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} أي لا يعلم أحد من الخلْق، من نبي مرسل أو ملك مقرّب ما أعده الله لهؤلاء المؤمنين الطائعين مما تقرّ به عيونهم من كريم العطاء وعظيم الجزاء {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {جَزَاءً} ، منصوب على المصدر - أي جوزوا جزاء يعني جزاهم ربهم أحسن الجزاء في الآخرة بسبب ما قدموه في الدنيا من صالح الأعمال والطاعات والقربات - لقد أعد الله لهم من عظيم الجزاء ما لا يتصوره الذهن والخيال، ولم تتوقعه الظنون والآمال - وفي هذا روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"9.

قوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) } .

ذلك إخبار من الله، يصف فيه عدله المطلق في قضائه بين العباد؛ فإنه سبحانه لا يساوي في حكمه يوم القيامة مَن آمن به وصدق بآياته وأيقن بأحقيّة ما أنزله من منهج حكيم قويم، بمن كان في دنياه فاسقا أي خارجا عن طاعته عاصيا لأمره؛ مكذبا بما أنزل على رسوله - وهو قوله: {لاَ يَسْتَوُونَ} لا يستوي المؤمن والفاسق في الجزاء والشرف والمصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت