فأجابه الله {يا نوح إنه ليس من أهلك} أي ليس من اهلك الذين وعدتهم بالنجاة، وإنما وعد الله أن ينجي المؤمنين من أهله وليس الكافرين كابنه وزوجته - وهذا ما يدل عليه قوله: {وأهلك إلا من سبق عليه القول} فكان ابن نوح ممن سبق عليه القول بالهلاك لكفره - وهو قول أكثر المفسرين؛ إذ قالوا: المعنى: انه ليس من أهل دينك - وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في دين الله الحق أقوى من حكم النسب.
قوله: {إنه عمل غير صالح} {عمل} ، بالرفع والتنوين - وفي معناه وجهان:
أولهما: أن الضمير في قوله: {إنه} عائد إلى سؤال نوح تنجية ابنه المخالف لدينه الموالي أهل الشرك، فهذا السؤال غير صالح؛ لأن طلب النجاة للكافر يعد أن سبق الحكم بعدم تنجية واحد من الظالمين الكافرين سؤال باطل.
ثانيهما: أن الضمير عائد إلى لابن؛ فيكون المعنى أن ابنه ذو عمل باطل، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه؛ وقيل غير ذلك.
قوله: {فلا تسألن ما ليس لك به علم} {فلا تسألن} ، الأصل تسألني وحذفت الياء للتخفيف واجترأ بالكسرة عنها 58؛ أي لا تسألن عما أخفيت علمه عنك من أسباب أفعالي مما لا تعلمه أنت - أو لا تسألن عما لا تعلم أنه صواب أو غير صواب {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} أي أنهاك عن مثل هذا السؤال؛ لئلا تكون من الجاهلين - قال ابن العربي في هذا الصدد: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء العارفين.
قوله: {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} أحس نوح بزلته من مسألته التي سألها ربه في ابنه، فأناب إلى ربه وقال: إني أستجير بك وألجأ إليك من أن أتكلف من السؤال ما ليس لي به علم مما استأثرت أنت بعلمه فأخفيت علمه عن العباد - فاغفر لي يا رب زلتي التي زللت، وإن لم تغفرها لي وتشملني برحمتك لأكونن من الذين خسروا أنفسهم فهلكوا 59.
وقوله تعالى: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب اليم} قال الله عز وعلا لنبيه نوح عليه السلام: أن اهبط من السفينة إلى الأرض بعد أن ابتلعت الأرض الماء وحفت {بسلام منا} أي يأمن وسلامة من الغرق - أو اهبط بتحية منا {وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} والبركات تعني الخيرات النامية وهي في حق نوح كثرة ذريته، فقد دخل في هذا كل مؤمن من ذرية نوح إلى يوم القيامة {وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} {أمم} خبر مبتدأ محذوف - والتقدير - ومنهم أمم - وقيل: وتكون أمم - والمراد بذلك من صار كافرا من ذرية نوح إلى يوم القيامة.
وذلك إخبار من الله عما هو فاعل بأهل الشقاء من ذرية نوح؛ وذلك أن قرونا وأجيالا من ذريته سيمتعهم الله في الدنيا بما يتمتعون به من عيش عاجل حتى إذا قضوا، أذاقهم الله العذاب الأليم في الآخرة بما قدموه في حياتهم الدنيا من الخطايا والمعاصي.