فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 2536

ثم يعلن الله جلت قدرته أنه لا يكفر بهذه الدلائل والبراهين إلا الفاسقون - والفاسقون من الفسق وهو الخروج - والفاسق الذي يخرج عن صراط الله وعن منهجه القويم - وتسمى العرب الفأرة فويسقة؛ لخروجها من حجرها - والفاسقون أو الفسقة والفساق من الفسق كما بينا فكلهم خارجون عن تعاليم الله وعن دينه المستقيم - قال ابن عباس في سبب نزول قوله: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، ما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها، فأنزل الله هذه الآية 83.

قوله تعالى: {أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرين من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} .

ذلك بيان لنكث يهود المواثيق ونقضهم للعهود التي طالما ألزموا أنفسهم بها - والله سبحانه ينكر عليهم هذا الطبع الفاسد فيسأل في إنكار وتنديد {أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} الهمزة للاستفهام بمعنى التوبيخ والواو للعطف - وكلما تفيد الشرط - فكأن هذا الخلق الذميم بات فيهم طبعا متمكنا وديدنا قد مردت عليه نفوسهم وأعصابهم فما عادوا يوفون بعهد أو ميثاق - فما يكون من ميثاق تعقده يهود إلا وينبذه فريق منهم - والنبذ الإلقاء والاطراح.

قوله: {بل أكثرهم لا يؤمنون} أكثر هؤلاء القوم مكذبون رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) من أن التوراة قد احتوت ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام والأمر باتباعه ومؤازرته - يقول سبحانه في مثل ذلك: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} .

قوله: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم} المقصود بالرسول الذي جاء من عند الله هو النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وأما الذين أوتوا الكتاب فهم اليهود، فقد جاءهم نبي الإسلام عليه السلام يدعوهم إلى منهج الله الحق وفيه التصديق لما معهم من كتاب- وهي التوراة- لكن فريقا منهم جحدوا وكذبوا - وذلك يدفعهم بالتكذيب لكتاب الله الذين بين أيديهم"التوراة"وفيها ذكر هذا النبي الخاتم في وضوح مكشوف كان يستبين لكل قارئ؛ وعلى ذلك فإن تكذيبهم لنبوة الرسول محمد لهو نبذ للتوراة نفسها لما فيها من تصديق مسبق بهذا النبي وبشرى مسطورة به من قبل أن يأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت