قوله: {ودوا لو تدهن فيدهنون} تدهن من الإدهان والمداهنة - وهي المصانعة أو المواربة 2 يعني: ود المشركون لو تصانعهم في دينك يا محمد فيصانعونك في دينهم - أو ودوا لو تعبد آلهتهم مدة من الوقت ليعبدوا إلهك مدة - فقد طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يداهنهم أو يصانعهم في دين الله، فيتخلى عن بعضه ليتخلوا هم عن بعض دينهم - وذلك هو اللين أو المصانعة والمجاملة للكافرين على حساب دين الله - وذلك هو ديدن الكافرين وأعوانهم في كل زمان - فهم يودون أن يداهنهم دعاة الإسلام ليكفوا عن الدعوة إلى دين الله، أو لينكفّوا ويجحموا عن بعض قواعده وأحكامه، ومنها قضايا السياسة والجهاد وغير ذلك من قضايا الأحوال الشخصية، أو رفض المفاصلة الواضحة بين عقيدة التوحيد الخالص وغيره من ملل الهوى والشرك.
فما يجوز لمسلم البتة أن يلاين الكافرين أو يداهنهم، فينكفّ عن شيء من أحكام الإسلام، ليرضى عنه الكافرون الظالمون وأعوانهم من المتمالئين، وإنما يبتغي المسلم في كل الأحوال مرضاة الله وحده، فهو بذلك لا يرتضي بغير منهج الله وشرعه بديلا، ويأبى التنازل عن شيء من أحكامه مهما قل.
قوله: {ولا تطع كل حلاف مهين} الحلاف كثير الحلف بالباطل - والمهين من المهانة، وهي ضعف العقل وهوان التمييز والفهم - والمراد به الكذاب الأشر، والوضيع الفاجر المحتقر عند الله - وذلك الذي نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طاعته أو الاستماع إليه.
قوله: {هماز مشاء بنميم} الهماز الذي يغتاب الناس فيذكرهم بالسوء وفاحش القول في غيابهم - أما المشّاء بنميم، فهو الذي يمشي بين الناس بالنميمة ليفسد بينهم، فيوقع بينهم الخصومة والعداوة
وفي الحديث"لا يدخل الجنة قتّات"والقتات، النمام.
قوله: {مناع للخير معتد أثيم} المناع للخير، الذي يبخل بالمال فلا يؤدّيه في وجوه الخير، من صدقة ونفقة ونحوهما - أو هو الذي يصدّ الناس عن فعل المعروف، ويمنعهم من فعل الخير، ويكرّه إليهم الدخول في الإسلام، {معتد أثيم} المعتدي، المتجاوز للحد في الظلم، والأثيم هو كثير الإثم والمعاصي.
قوله: {عتلّ بعد ذلك زنيم} اختلف المفسرون في تأويل العتل - فقد قيل: العتلّ، الشرير الفاحش الخلق - وقيل: الشديد الخصومة في الباطل - وقيل: هو الغليظ الجافي - وقيل: الأكول المنوع - وأما الزنيم فهو الدعيّ الملصق بالقوم، وهو ليس منهم - وقيل: الظلوم.
قوله: {أن كان ذا مال وبنين} أن كان، مفعول لأجله، وتقديره: لأن كان ذا مال وبنين 3 والمعنى: لا تطعه لماله وبنيه.
15 - (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)
قوله: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} هذا الشرير الظلوم الشقي، إذا سمع آيات القرآن تتلى عليه، بادر التكذيب والجحود على سبيل المكابرة والاستنكاف، فقال: ذلك ضرب من قصص الأولين السابقين وخرافاتهم.
16 - (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)
قوله: {سنسمه على الخرطوم} والمراد بالخرطوم، الأنف - أي سنلحق به عيبا في أنفه يظل يشينه ولا يفارقه - وقيل: سنخطمه على أنفه بالسيف 4.