وبعد أن علمه الله الكتابة والعلم منّ عليه بتعلم الكتابين الكريمين، التوراة التي أنزلت على كليمه موسى، ثم الإنجيل، وهما كلاهما كتابان مقدسان حافلان بعلوم الدين والدنيا، هداية لبني إسرائيل خاصة دون غيرهم من الأقوام والأجناس وترشيدا لهم - لبني إسرائيل- كيلا يضلوا أو يسرفوا أو يطغوا.
49 - (وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
قوله: (ورسولا إلى بني إسرائيل) أي ونجعله رسولا لبني إِسرائيل - وقيل: تقدير الكلام: ويكلم الناس رسولا - أي حال كونه رسولا - وقيل غير ذلك.
والمقصود في الآية أن المسيح عيسى ابن مريم أرسل إلى بني إسرائيل جميعهم وليس إلى فريق منهم دون غيرهم - أجل - بعث الله نبيه المسيح إلى هذا الصنف من البشر كيما تستقيم طبائعهم ونفوسهم فيسيروا في حياتهم على جادة الحق من غير عوج ولا استكبار ولا تمرد - أرسله الله ليقوم في بني إسرائيل اعوجاجهم، وليحملهم على المضي في طاعة الله وفي طريق اللاحب المستقيم، فلا يميلوا مع الهوى، ولا يأخذهم شطط النفس فيوغلوا في الرجس والدنس ويفسدوا في الأرض إفسادا.
قوله: (أنّي قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله) هذه واحدة من المعجزات الحسية الظاهرة احتج بها المسيح عيسى لتكون للناس آية على صدق نبوته ورسالته للناس.
أولها: أنه يخلق من الطين طيرا، والخلق في حق العبد معناه التصوير والتقدير وهو هنا معقول، لكنه في حق الله يعني التكوين والإبداع، والمقصود هنا أنه يصنع من الطين على شكل طير ثم ينفخ فيه فيطير عيانا بإذن الله.
الثانية: إبراء الأكمه - وهو الذي يولد أعمى 97.
الثالثة: إبراء الأبرص، وهو من البرص وهو واحد من أمراض الجلد.
الرابعة: إحياء الموتى - وذلك بدعاء الله يدعوه عيسى لهم فيستجيب الله له فيحييهم.
الخامسة: إخبارهم بما أكل أحدهم الآن، وما هو مدخر لنفسه في بيته لغد - وذلك مقتضى قوله تعالى: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) 98 هذه خمس آيات معجزات احتج بها نبي الله عيسى ليحمل الناس على تصديقه واتباعه، لا جرم أنه دلائل حسية ومشهودة كان الناس يبصرونها ويشهدونها عيانا من غير شك في ذلك البتة، ولذلك قال سبحانه وتعالى: (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) .