فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 2536

ولئن كان الربا يمحقه الله ويذهب ببركته وبيده تبديدا، فإن الصدقات يربيها الله - أي يكثرها وينميها ويجعل فيها البركة في الدنيا - وفي الآخرة يضاعف لصاحبها الأجر حتى يكون أضعافا كثيرة - وفي ذلك أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) :"من تصدق بعدْل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه حتى يكون مثل الجبل".

وفي رواية أخرى لأبي هريرة أن الرسول (ص) قال:"إن الله عز وجل يقبل الصدقة ويأخذها بيمنه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوّه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد".

قوله: (والله لا يحب كل كفار أثيم) الكفار معناه الجحود الذي ينكر نعمة الله عليه - وهذا التعقيب في الوصف يناسب حال الجشعين الفسقة الذين يأكلون الربا - وهؤلاء صنف جاحد بطر من الناس لا يرضي بالحلال من الطعام أو المال مما ارتضاه له الله، بل إنه يُعرض في إدبار وتمرد ليستبيح لنفسه الجاحدة الطامعة ما حرمه الله عليه من أموال الناس فهو بذلك مخالف لشرع الله فاسق عن أمره، أثيم.

وبعد التنديد بأكلة الربا، أولئك الفسقة العصاة يمتدح الله عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات وفي رأسها وأهمها الصلاة والزكاة - هذا الصنف من البشر المؤمن العامل قد كتب الله لهم الأجر، وكتب أنهم يوم القيامة آمنون لا يخافون كما يخاف الناس، ولا يحزنون لمفارقة الدنيا كما يحزن غيرهم من المفرطين الآثمين؛ لذلك قال سبحانه: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .

قوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين) يخاطب الله عباده المؤمنين داعيا إياهم أن يتقوه، أي تخذوا من الطاعات وترك المعاصي ومجانبة الربا وقاية لهم من عذاب الله وسخطه - والله جل وعلا يأمر المؤمنين أن يذروا ما بقي من زيادة لهم على رؤوس أموالهم، والتي كانوا قد اشترطوا أخذها قبل نزول التحريم - فما بقي من الربا غير مقبوض، فإنه بعد نزول التحريم بات موضوعا.

وقوله: (إن كنتم مؤمنين) ذلك تحضيض للمؤمنين على ترك الربا واستنهاض لهم أن يلتزموا بأحكام الله وأن يذروا ما كان مشروطا لهم من زيادة على رؤوس الأموال، ويشبه ذلك ما يقوله الواحد لغيره: إن كانت شجاعا فخذ سلاحك وامض لقتال المشركين - ومعلوم أن المخاطب شجاع؛ لأن المقصود بمخاطبته على هذه الصورة بعث الحماسة في نفسه ليمضي في سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت