قوله: (لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) (لا جرم) أي لابد، ولا محالة - وقيل: معناه حقا - والعرب تقول: لا جرم لآتينك - لا جرم لقد أحسنت؛ فتراها بمنزلة اليمين - وقيل: لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقا - فلذلك يجاب عنها باللام كما يجاب بها عن القسم كقولهم: لا جرم لآتينك - وهو قول الفراء 26.
وفي الآية تأكيد جازم على أن الله يعلم ما يخفيه هؤلاء المشركون الظالمون في قلوبهم من مكنونات السوء والكيد، وما يضمرونه للإسلام والمسلمين من نوايا الخبث والمكر - وهو كذلك يعلم ما يعلنون للبشرية من مجاهرة بالضلال والكفر وما يشيعونه على الملأ من أقاويل الظلم والباطل ليثيروا من حول الإسلام الشبهات والافتراءات فيثنوا المسلمين عن دينهم ويثبطونهم تثبيطا.
قوله: (إنه لا يحب المستكبرين) ليس من ذنب ولا خطيئة أشد شناعة وأفدح فظاعة بعد الإشراك بالله من الكبر؛ لأن الكبر داء يستحوذ على القلب فيسوّل له الإدبار عن دين الله ويزين له التمرد على الله في شرعه للناس - ولا يحمل المرء في نفسه شيئا من استكبار إلا ويوشك أن يبوء بالشقوة والخسران إلا أن يبادر إلى التوبة والخشوع؛ فإن من يستكبر يسلس قياده من قبل الشيطان ليجد طريقه ممهدا إلى النار - وهؤلاء المستكبرون لا يحبهم الله ولا يثني عليهم؛ بل يجزيهم ما يستحقونه من أليم الجزاء.
قوله تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) } (ماذا) ، ما استفهامية في موضع رفع مبتدأ - وذا، بمعنى الذي هو خبره - و (أنزل ربكم) صلة الموصول 27 - قيل: نزلت في النضر بن الحارث، فكان قد خرج إلى الحيرة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، فكان يقرأ على قريش ويقول: ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين، أي ليس القرآن من تنزيل الله - وقيل: المؤمنون هم القائلون لهم ذلك على سبيل الاختيار فأجابوهم قائلين (أساطير الأولين) - (أساطير) ، خبر لمبتدأ محذوف، وتقديره: هو أساطير الأولين 28 - والمراد بأساطير الأولين: أحاديث الأولين وأباطيلهم - وذلك ليقولوا إن هذا القرآن معجز ولا هو من كلام الله - وذلك من صور التمادي في الباطل الذي تلبس به الجاهليون الخاسرون وهم يتمردون في استكبار ومعاندة - وهم موقنون في قرارة أنفسهم أن القرآن حق وأنه من كلام الله؛ لكنه الجحود واللجوج في معاندة واستكبار يغشى بصائر الظالمين الأشقياء في كل زمان ليصمهم ويعمي أبصارهم.
قوله: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة) اللام، لام العاقبة؛ لأنه لما وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، استحقوا هذه العاقبة الوخيمة - ونظير ذلك قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) فقد أودى بهم جحودهم وتكذيبهم إلى أن يبوءوا بسوء مصيرهم يوم القيامة، وأن يحملوا أوزارهم، وهي ذنوبهم (كاملة) غير مخففة ولا منقوصة.