والحمار البهيم يمشي على الأرض ساربا لا يعي ولا يفهم ولا يدري ما الذي على ظهره - وهو يستوي عنده أن يحمل على ظهره كتبا في الخير والعلم أو أحمالا ثقالا من الحجارة والطين - وهذه حقيقة الذين يزعمون أنهم متدينون بدين الله ومن حولهم وفي أيمانهم كتاب الله فيصطنعون الإيمان به والغيرة عليه اصطناعا وهم مجافون لأحكامه متحللون مما فيه من الأوامر والزواجر - فأولئك حالهم كحال الحمار يقلّ على ظهره الكتب وهو لا يعلم ما يحمل {بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله} مثل، فاعل بئس - والمخصوص بالذم، الإسم الموصول بعده - وقيل: محذوف، وتقديره: بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء 6 {والله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يجعل الله الهداية والتوفيق للذين يظلمون أنفسهم باختيارهم الباطل واستبدالهم الضلال بالهدى.
قوله: {قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} الذين هادوا أي تهودوا وهم اليهود - فقد كانوا يفاخرون الناس بأنهم أولياء الله وأحباؤه - وذلك ضرب من الاغترار الموهوم والتباهي المضلل - فما ينبغي لأحد ذي عقل وإيمان سليمين أن يزعم أنه وليّ الله أو حبيبه.
وإنما ينبغي للمؤمن ذي العقيدة الصادقة الراسخة والعقل السليم أن يكون في غاية التواضع والتذليل لله، والخوف من جلاله وهول بطشه وانتقامه - أما أن يزعم أنه ولي لله، وقريب من جنابه فذلكم القول المصطنع الذي لا يهرف به غير واهم مأفون - ولئن زعم اليهود ذلك فقد تحداهم ربهم بقوله: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} يعني فتمنوا على الله أن يميتكم لتفضوا إلى دار الكرامة وهي الجنة التي أعدها الله لأوليائه المؤمنين، إن كنتم تصدقون فيما تزعمون بأنكم أحباء الله من دون الناس.
قوله: {ولا يتمنّونه أبدا بما قدمت أيديهم} لا يتمنى اليهود الموت البتة فهم أحرص الناس على حياة وأشد العالمين حرصا على الدنيا وزينتها ومتاعها - ولسوف يكون جوابهم لمن يتحداهم بتمني الموت، الرفض والإعراض عن هذا التمني، وذلك {بما قدمت أيديهم} أي لن يسألوا الله إماتتهم بسبب ما قدموه من المعاصي وما تلبسوا به من تحريف للتوراة، فضلا عن قتلهم الأنبياء بغير حق {والله عليم بالظالمين} وذلك وعيد من الله للمشركين الذين يفسقون عن أمر الله ويسعون في الأرض إضلالا وإفسادا.
قوله: {قل إن الموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم} الفاء في قوله: {فإنه} متضمنة معنى الشرط - وقيل: مزيدة 7 يعني: قل لهؤلاء الذين يفرون من الموت فرار المضطرب المذعور، لا مناص لكم من الموت، فإنه نازل بكم وكلكم صائرون إليه لا محالة ولسوف تردون إلى ربكم يوم القيامة، وهو سبحانه عليم بكل شيء فيعلم الحاضر المشهود والخفيّ المستور {فينبئكم بما كنتم تعملون} أي يخبركم يومئذ بما عملتموه من سوء الفعال فيجازيكم على ذلك 8.