وروى الإمام كذلك عن رجل شهد النبي صلى الله عليه و سلم يخطب فقال:"أتدرون من الصعلوك؟"قالوا: الذي ليس له مال - فقال النبي صلى الله عليه و سلم:"الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم شيئا"ثم قال:"ما الصُّرعة؟"قالوا: الصريع الذي لا تصرعه الرجال فقال صلى الله عليه و سلم:"الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر شعره فيصرع غضبه".
الصفة الثالثة: العفو عن الناس - والعفو معناه المحو والصفح وترك العقوبة 221 وذلك مقتضى قوله: (والعافين عن الناس) والمراد بالناس العموم في ظاهر الآية سواء فيهم الضعفاء والأقوياء، الأغنياء والفقراء - والمطلوب الصفح عن كل أحد في كل المساءات والمظالم مادام العافي مقتدرا على الانتصار لنفسه وأخذ حقه من المسيء - والأصل في ذلك أن العفو في ذاته شيمة رفيعة من شيم الأبرار المتقين.
وهو درجة مثلى من مقامات الإحسان الذي يستحق الإطراء والثناء؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: (والله يحب المحسنين) .
قوله: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) روي عن ابن عباس في سبب نزولها أن نبهان التمار أتته امرأة حسناء باع منها تمرا فضمها إلى نفسها وقبلها، ثم ندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه و سلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية 222.
وهؤلاء صنف دون الصنف الأول ألحقوا بهم وهم التوابون، والفاحشة وصف لموصوف محذوف، وتقدير ذلك: فعله فاحشة، وهي تطلق على كل معصية - وقد كثر اختصاصها بالزنا.
قوله: (أو ظلموا أنفسهم) أي أذنبوا أي ذنب كان - وقيل: ظلم النفس فعل الصغيرة بخلاف الفاحشة فهي الكبيرة - وقيل: الفاحشة الزنا، وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة ونحوهما.
قوله: (اذكروا الله) وذلك بمختلف وجوه الذكرى - ومن جملة ذلك الحياء من الله والخوف منه، ومنه أن يتفكر المذنب في نفسه ما الله سائله عن ذنبه يوم العرض ويوم الحساب، ومنه تصور المذنب أن الله ناظره ورقيبه فيما فعل.
قوله: (فاستغفروا لذنوبهم) أي إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار والندامة، ومن أعظم صور الاستغفار الذي تنمحي به الذنوب والخطايا مهما كثرت ما رواه البخاري عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعود بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"223.
قوله: (ومن يغفر الذنوب إلا الله) هذه جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه - فالمعطوف (ولم يصروا) والمعطوف عليه (فاستغفروا لذنوبهم) .
والاستفهام هنا للنفي، والمراد أنه لا أحد يغفر الذنوب سوى الله، فهو سبحانه بواسع رحمته وفضله يغفر الذنوب جميعا.
قوله: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه - واختلفوا في تأويله هنا - فقيل: يراد به الثبوت على المعاصي وقيل: السكوت على الذنب وترك الاستغفار، وقيل: الإصرار أن ينوي أن لا يتوب فإذا تاب التوبة النصوح خرج عن الإصرار - وفي الخبر"لا توبة مع إصرار".