فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 2536

على أن هذا الاقتتال بين الناس بعد كل نبي ليس بخارج عن سلطان الله وهيمنته فإن الله قادر أصلا أن يحول دون هذا الاقتتال ولكنه سبحانه حد لعباده حدودا كيلا يعتدوها، وألزمهم بفرائض ليس لهم أن يضيعوها أو يفرطوا فيها، وشحنهم لطاقة العقل والإرادة ما هو كفيء لمقتضيات الحياة والعيش في هذه الدنيا - فإذا زاغوا ومالوا عن صراط الله ومنهجه الحكيم كان من الحق والعدل أن ينالوا من الجزاء ما يكون لهم وفاقا.

أجل، إن الناس قد اختلفوا بعد الذي أنزل عليهم من كتاب فيه الهداية والنور فتفرقوا مناحي شتى، وتمزقوا في الأرض إلى ملل ومذاهب وتصورات كلها باطل سوى الملة التي جيء بها على ألسنة النبيين المرسلين؛ ولذلك قال سبحانه: (ولكن اختلفوا فيمنهم من آمن ومنهم من كفر) - مع أن الله قادر- لو شاء- على ألا يكفر هؤلاء الناكبون الغاوون ولله في مقاديره وما أراد حكمة ومراد قد نهتدي للوقوف عليهما وقد يعز علينا ذلك؛ لذلك يقول سبحانه: (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) .

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون) يأمر الله بالإنفاق في سبيله بما يشمل كل وجوه الخير التي تتطلب مزيدا من السخاء والعطاء عن طواعية وطيب خاطر، ويأتي في طليعة هذه الوجوه الجهاد في سبيل الله.

وقوله: (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) وذلك تحضيض من الله لعباده المؤمنين من أجل المسارعة في الإنفاق قبل أن تفجأهم القيامة - وإذ ذاك تتبدل الحال غير الحال، فلا بيع حينئذ ولا شراء ولا غير ذلك من تصرفات تعارف عليها الناس في حياتهم الدنيا، إنه ليس إذ ذاك إلا الهلع والوجل وبلوغ القلوب الحناجر؛ لفرط الرهب والخوف ولهول المنظر الواقع المشهود.

وكذلك فإنه لا (خلة) أي صداقة ومنها الخليل أي الصديق، والجمع أخلاء - وخلّة بالفتح بمعنى الفقر والحاجة - وتأتي الخُلّة مضمومة أيضا ومعناها ما خلا من النبت - والخِلّة بالكسر بمعنى الخصلة، أو ما يبقى بين الأسنان - والجمع خلال - والمقصود أنه إذا كانت القيامة فإنه لا تنفع أحدا صداقة صديق إذا أبطأ به عمله، وكذلك فإنه لا تنفعه شفاعة الشافعين؛ فلا شفاعة حينئذ إلا لمن جعلت له تشريفا من الله.

وقوله: (والكافرون هم الظالمون) (الكافرون) مبتدأ - (هم) ضمير الفصل - (الظالمون) خبر، وقيل: (الكافرون) مبتدأ أول - (هم) مبتدأ ثان - (الظالمون) خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول - هذه الجملة غاية في روعة التركيب والمدلول؛ لما فيها من حصر للمبتدأ في خبره، فيكون المعنى أنه ليس من ظالم أشد ظلما من الكافر - ومن لطيف ما ورد عن عطاء بن دينار في هذه الآية قوله: الحمد لله الذي قال: (والكافرون هم الظالمون) ولم يقل: (والظالمون هم الكافرون) ولو قال ذلك لكان كل من ارتكب ظلما كافرا - وذلك غاية في الحرج والعسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت