فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 2536

وقوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) هذه الآية توطئة لنظام المواريث ومقدمة لها - وقد ورد أنها نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري، إذ توفي وترك امرأة اسمها أم كجة وثلاث بنات له منها - فقام رجلان هما ابنا عم المتوفّى يقال لهما سويد وعرفجة فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا وقد كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا ويقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وطاعن بالرمح وضارب بالسيف وحاز الغنيمة - فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله (ص) فدعاهما فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا - فقال عليه السلام:"انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن"فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم بما في ذلك من إبطال لقولهم وتصورهم - وعلى ذلك فإن هذه الآية تنطوي على مبدأ عام وأساس يتعلق بنظام المواريث وهو أن الذكور والإناث مشتركون جميعا في التركة التي يموت عنها المورّث - وأنه لا تمييز في ذلك ولا اعتبار للذكورة أو الأنوثة في هذه المسألة كما أن الصغار والكبار في الاستحقاق سواء - فإن الأخ الكبير يرث بقدر ما يرثه الأخ الصغير ولو كان رضيعا، حتى أن الجنين في بطن أمه له في الاستحقاق حساب كما لو كان كبيرا ساعيا يدب على الأرض 17.

ولعل في تسمية السورة - أساسا- بهذا الاسم ما يحمل الدلالة على مدى الحرص الذي يحشده الإسلام وهو يحوط النساء بالاهتمام والرعاية ليدفع عنهن كل بوائق التعدي والظلم ويجلب لهن أسباب الخير والتقدير والإكرام - واهتمام السورة بأمر النساء إلى هذا الحد العظيم كان مدعاة تلفت النظر إلى الدرجة التي تتسمى فيها السورة كلها باسم"النساء".

قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) تتعلق هذه الآية بالذين لا يستحقون شيئا من الإرث وقد حضروا قسمة التركة وكانوا من الأقارب أو اليتامى أو المساكين - فإن هؤلاء عند القسمة يكرمون بشيء من المال ولا يحرمون - وإن كان المال قليلا أو عقارا لا يقسم قوبلوا بالاعتذار عن الإعطاء - وعلى هذا الأساس فإن الآية محكمة ولم يقع عليها ما ينسخها - وذهب بعض العلماء إلى أن الآية منسوخة بآية المواريث وهي (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) والراجح القول الأول وهو أن الآية محكمة وليسن منسوخة - ويمكن دفع الظن بالنسخ بأن المقصود بالأقارب هنا من ليسوا من الورثة لنجزم بعد ذلك أن الآية محكمة ولم يقع عليها نسخ.

أما قوله: (فارزقوهم) فإنه يفيد الندب والترغيب وذلك من باب الاستحباب لعمل الخير والشكر لله سبحانه وتعالى - وقيل: إن الآية تدل على الوجوب أخذا بالظاهر - وإن كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله للحجر عليه فهل يُعطي وليّه من ماله لمن بينّا آنفا؟ فقد قال فريق من العلماء بأن له ذلك - وقيل: لا يعطي بل يعتذر لمن حضر القسمة بأنه ليس له من المال شيء إنما هو لليتيم.

قوله: (وقولوا لهم قولا معروفا) - مع تقديم الرزق لمن حضر القسمة من الأقارب واليتامى والمساكين يقول لهم الورثة: خذوا بورك لكم، أو: وددت أن لو كان أكثر من هذا - أو من هذا القبيل وكله من القول المعروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت