فهرس الكتاب

الصفحة 1665 من 2536

قوله تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) } (إن) ، حرف نفي - و (هزوا) ، مفعول به ثان 27 - والله جل وعلا يخبر عن المشركين الضالين أنهم كانوا إذا رأوا رسول الله (ص) سخروا منه وعابوه انتقاضا لقدره وازدراء بمقامه الكريم - مع أنهم موقنون في أعماق قلوبهم أن محمدا (ص) صادق وأنه كريم قد ميزه الله بخصائص جليلة لا نظير لها في الرجال - وهذه حقيقة قد استيقنتها أنفسهم ولكن كذبتها ألسنتهم التي يندلق منها بذاءة القول وسوء الحديث - وليس أدل على ثقتهم به وإدراكهم لحقيقة أمره، من تسميتهم له قبل بعثه، بالأمين - وفي ذلك يقص الله علينا خبر هؤلاء المكابرين المعاندين (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا) الاستفهام للإنكار والتهكم - (رسولا) منصوب على الحال 28 والإشارة إلى رسول الله (ص) على سبيل الاستصغار له والازدراء - فهم يقولون ذلك وهو على غاية الجحود والاستكبار والسخرية قبحهم الله.

قوله: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) (إن) مخففة من الثقيلة واللام فارقة؛ أي كاد يثنيهم عن عبادة الأصنام لولا اصطبارهم عليها - ويفهم من ذلك ما بذله رسول الله (ص) من بالغ الجهد في دعوة هؤلاء المشركين إلى دين الله؛ إذ بذل في هذه الوجيبة قصارى وسعه وطاقته مع ما حمله إليهم من الدلائل الواضحات والمعجزات الظاهرات حتى أوشكوا بزعمهم أن يتركوا دينهم ليدخلوا في دين الإسلام لولا فرط معاندتهم وشدة جحودهم ولجاجهم، فاستمسكوا بعبادة أصنامهم؛ أي لم يصدهم عن دين الله الحق إلا إفراطهم في محبة الأصنام وجنوحهم للأهواء.

قوله: (وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) ذلك وعيد من الله وتهديد لهؤلاء المعاندين الضالين بما ينتظرهم من العذاب؛ فإنهم لا مندوحة لهم من لحاق العذاب بهم؛ لأنه وعيد من الله فلا يغرنهم التأخير وسوف يظهر لهم يومئذ من هو الضال.

قوله: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) الاستفهام للإنكار (إلهه) ، مفعول أول للفعل (اتخذ) - و (هواه) مفعول ثان 29 - والمعنى: أن هذا الضال الظالم لنفسه إنما يعبد هوى نفسه؛ فهو ليس على جادة الحق في عبادته؛ بل إنه يعبد ما تشتهيه نفسه، ويميل إليه قلبه وهواه؛ فهو بذلك متقلب في عبادته بتقلب مزاجه وهواه؛ فكلما أحب شيئا استدار بقلبه ومشاعره وأعصابه ليحبه ويرغب فيه دون غيره - سواء كان المحبوب أمرا أو شخصا أو صنما من الأصنام - هكذا كان شأن الجاهليين - وفي ذلك قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت