وذلك الذي قد توصل إليه علم الطبيعة والفلك في هذه المسألة الكونية - وجملة ذلك: أن هذا الكون الهائل لم يكن في زمانه الموغل في القدم على هيئته الراهنة من الانفصال والتكامل والاتساق - وإنما كان الكون كله سديما واحدا متصلا وملتحما بعضه ببعض - فلا جرم أن تكون هذه ظاهرة من ظواهر الإعجاز في القرآن - قوله: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) أي خلق الله كل ذي حياة من الماء - ولفظ شيء بإضافته للماء، من العام المخصوص؛ فقد خرج بذلك منه الملائكة والجن وكل ذي غير حياة نامية.
قوله: (أفلا يؤمنون) استفهام إنكار يفيد التعجب من فرط الهوان الذي يغشى عقول السفهاء والضالين من الناس، المعرضين عن الدلائل والآيات والنذُر، والذين لا يتدبرون آيات الله في الكون والطبيعة الدالة على جلال الله، وعلى أن هذا القرآن حق وصدق - والمعنى المراد: أفلا يزدجر هؤلاء المشركون والعصاة الضالون عن الكفر والجحود فيفيئوا إلى التصديق والطاعة والإيمان بما أنزل الله.
قوله: (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) الرواسي، الجبال الراسية - رسا، رسوّا أي ثبت 15 - أي جعل الله في الأرض جبالا ثقالا ثوابت لئلا تضطرب الأرض أو تتحرك بمن عليها - وهذه ظاهرة عجيبة تثير الانتباه والتدبر في هذه الآية من الكتاب الحكيم - وذلك أن الأرض جرم من أجرام كونية كثيرة في هذا الوجود.
لكن هذا الجرم بالقياس إلى غيره من الأجرام الهائلة؛ فإنه بالغ الصغر والبساطة حتى ليوشك أن يضطرب ويهتز، ويتحرك إذا لم يترسخ بأجسام هائلة جسام تثقله وتثبته فكانت الجبال الراسيات.
قوله: (وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون) الفجاج، جمع ومفرده الفج، وهو الطريق الواسع بين جبلين 16؛ أي جعلنا في الأرض مسالك واسعة يسلكونها ليبلغوا ما يريدون - وقد قدّم (فجاجا) وهو وصف لسبل؛ ليصير حالا فيدل ذلك على أن الله حين خلقها قد خلقها كذلك.
قوله: (لعلهم يهتدون) أي ليهتدوا بهذه السبل إلى ما يقصدونه من البلاد والأقاليم.
قوله: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) ما رفع على شيء فهو سقف - وهذه السماء قد جعلها الله بناء كونيا رفيعا، في غاية القوة والتماسك والاتساق، وقد حفظه الله من السقوط والتداعي، أو من البلى والتغير من طول الزمان (وهم عن آياتها معرضون) هؤلاء الضالون والجاحدون والفاسقون، معرضون عن تدبر ما في السماء من الآيات الظاهرة، والعجائب الباهرة - معرضون عن التفكير في هذه الخلائق العظام؛ إذ هم عنها ساهون ذاهلون، لا يعبأون ولا يتفكرون إلا في شهواتهم وأهوائهم الوضيعة الخسيسة.
قوله: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر) هذه آيات كبريات تعرض لقدرة الله وبالغ عظمته؛ فهو الخالق المقتدر العليم، الذي ذرأ الكون وما فيه من خلائق وأجرام وظواهر - ومن جملة ذلك: هذه الظواهر الأربع العجاب التي ذكرتها الآية ههنا - وهي الليل؛ إذا تغيب الشمس عن شطر عظيم من الأرض فيرخي الظلام سدوله على هذا الشطر، ليستنيم الناس ويجدوا في ذلك هجعتهم وسكونهم.
ثم النهار بضيائه وإيناسه، وما يتجلى فيه من مظاهر الحركة والنشاط والجد وكل وجوه السعي والكد والجهاد.